منوعات

أسرار البومة في الموروث الشعبي.. من رمز للحكمة إلى نذير للتشاؤم والخوف

البومة بين الحكمة والتشاؤم

تتميز الطيور بجمالها وأصواتها المختلفة، ومعظم الطيور تستيقظ نهارًا وتنام ليلًا، إلا أن هناك طائرًا يختلف عن غيره، فهو طائر البومة الذي ينطلق في الظلام ويصطاد فريسته ليلًا، بعينين واسعتين وقدرة كبيرة على الرؤية لا يملكها الإنسان، وهو طائر البومة، الذي ارتبط في ثقافات كثيرة بالحكمة والذكاء، بينما ارتبط في ثقافات أخرى بالتشاؤم والخوف والموت.

البومة بين الحكمة والخوف

تثير البومة الرهبة أكثر مما تبعث على الطمأنينة، فهي تجمع بين الحكمة والخوف والموت، وتردد عبارة «تنق مثل البومة» في الموروث الشعبي للتعبير عن التشاؤم، لتصبح كلمة «بومة» في بعض الاستخدامات الشعبية مرتبطة بالنذير السيئ.

وهذا الطائر الذي يحلق ليلًا بصمت، ويظهر في أوقات نوم البشر، شكّل حالة من التناقض في رمزيته لدى مختلف الثقافات والشعوب، فبينما رآه البعض طائرًا حكيمًا يستطيع رؤية ما لا يراه الإنسان، اعتبره آخرون علامة على الخوف والموت.

البومة
البومة

البومة في الموروث العربي

ارتبطت البومة عند العرب في الموروث الشعبي، قبل ظهور الإسلام، بالتشاؤم والنذير السيئ، وظهرت صورتها في الأدب والشعر، وظلت هذه النظرة موجودة في بعض المعتقدات الشعبية حتى العصر الحديث.

وفي الزمن الحديث، كسرت الكاتبة غادة السمان هذه الصورة التقليدية في قصيدتها «بومة عاشقة متشائمة»، وقدمت البومة بصورة مختلفة، حيث ربطتها بالليل والعشق والطيران، لتصبح رمزًا لمشاعر أخرى بعيدة عن التشاؤم والخوف.

ماذا كانت تعني البومة عند المصريين القدماء؟

أما عند المصريين القدماء، فكانت للبومة مكانة مختلفة، حيث ظهرت في الكتابة الهيروغليفية كرمز لحرف الميم، وهو ما يؤكد حضورها في الحضارة المصرية القديمة بصورة واضحة.

ورغم ارتباط البومة في بعض الروايات الشعبية القديمة بالموت والروح، فإن وجودها في الكتابة والرموز المصرية القديمة يعكس أن صورتها لم تكن مرتبطة بالشؤم وحده، بل كانت جزءًا من عالم الرموز واللغة لدى المصريين القدماء.

وفي بعض الموروثات الشعبية المصرية، ارتبطت البومة بالروح البشرية، وظهرت اعتقادات تربط بين ظهورها ليلًا وبين أرواح المتوفين، وهو ما ساهم مع مرور الوقت في زيادة ارتباطها بالخوف والغموض.

البومة طائر الحكمة عند الإغريق

ارتبطت البومة الصغيرة التي كانت منتشرة بكثرة في اليونان وإيطاليا بالإلهة أثينا، إلهة الحكمة والاستراتيجية والفنون والحرف لدى اليونانيين، ثم أصبحت مرتبطة بالإلهة الرومانية مينرفا، التي ورثت كثيرًا من صفات أثينا.

ورسم الإغريق البومة على الأواني الخزفية، كما ظهرت على نقود أثينا، وأصبحت البومة والحكمة مرتبطتين ببعضهما، حتى أصبحت صورة البومة واحدة من أشهر الرموز المرتبطة بأثينا.

وكانت الحكمة التي ترمز إليها أثينا ذات طبيعة عملية، فهي القدرة على التفكير والتخطيط وحل المشكلات، وهي صفات جعلت البومة مناسبة لهذا الدور، خاصة أنها تستطيع الصيد ليلًا بينما يعجز الإنسان عن الرؤية بوضوح في الظلام.

ومن هنا جاءت واحدة من أشهر الصور الإيجابية للبومة، فهي طائر يرى ما لا يستطيع الآخرون رؤيته، وكأنه يمتلك معرفة تتجاوز حدود الإنسان، لكن القدرة نفسها التي صنعت رمز الحكمة ساعدت أيضًا في صناعة الجانب المظلم من صورتها.

من الحكمة إلى رمز للموت

في الحضارات اليونانية والرومانية القديمة، ارتبط الظلام بالعالم السفلي وبالمكان الذي ينتهي إليه الموتى، لذلك لم يكن ظهور حيوان يستطيع التحرك والصيد بكفاءة في هذا العالم المظلم أمرًا محايدًا تمامًا.

كانت البومة تتحرك عندما ينام البشر، وتصدر أصواتها في ساعات الليل، وتظهر فجأة في أماكن لا يتوقعها الإنسان، ومع غياب التفسير العلمي لسلوك الحيوانات في ذلك الوقت، كان من الطبيعي أن يتحول ظهورها إلى علامة تحمل معنى يتجاوز وجودها الطبيعي، وهكذا بدأت البومة تدخل في حكايات النذر والموت.

وتذكر روايات من العالم الروماني القديم ظهور البوم ضمن العلامات التي سبقت موت بعض الشخصيات البارزة، كما ظهرت في روايات مرتبطة بموت شخصيات رومانية شهيرة مثل يوليوس قيصر وأغسطس، وهو ما ساعد على ترسيخ العلاقة بين الطائر وبين الموت في المخيال القديم.

البومة في الثقافة الحديثة

لم يختف الجانب المظلم من صورة البومة، لكنه لم يلغِ صورتها كرمز للحكمة، وظلت الصورتان موجودتين معًا حتى العصر الحديث.

ففي بعض الأعمال أصبحت البومة شخصية حكيمة وهادئة، مثل شخصية «Owl» في «Winnie the Pooh»، بينما استعادتها أعمال أخرى بوصفها كائنًا غامضًا مرتبطًا بالليل والظلام، كما ظهر ذلك في بعض الأعمال الفنية والدرامية.

وتظهر هذه الصورة أيضًا في لوحة «نوم العقل ينتج الوحوش» للفنان الإسباني فرانسيسكو جويا، التي رسمها عام 1799، حيث يظهر رجل غارق في النوم بينما تحيط به خفافيش وبوم، في مشهد يحمل أجواء من الأحلام والكوابيس.

وفي أوروبا، صوّرها البعض رمزًا للعناد، بينما رآها آخرون رمزًا لرباطة الجأش والحكمة، وأصبحت صورتها موجودة في الملابس وسلاسل الذهب وبطاقات المعايدة، كما استخدمت بعض الشركات العالمية شكل البومة في شعاراتها.

البومة.. طائر مفيد للإنسان

بعيدًا عن الموروث الشعبي والأساطير، تؤدي البومة دورًا مهمًا في البيئة، فهي تتغذى على الفئران وبعض القوارض، وتساعد في الحد من الأضرار التي تسببها هذه الحيوانات للمحاصيل الزراعية.

كما تسهم في الحفاظ على التوازن البيئي وتقليل أعداد القوارض، ولذلك فإن وجودها في المناطق الزراعية يمكن أن يكون مفيدًا للفلاحين، وربما لو عرف البعض حجم الفائدة التي تقدمها البومة للزراعة، لتغيرت نظرتهم إليها من طائر يرتبط بالتشاؤم إلى طائر له دور مهم في حماية المحاصيل.

وبين الحكمة والتشاؤم، ظلت البومة طائرًا يحمل أكثر من صورة في ذاكرة الشعوب، فهناك من رآها رمزًا للذكاء والحكمة، وهناك من ربط ظهورها بالليل والخوف والموت، لكن بعيدًا عن الأساطير والمعتقدات، تظل البومة كائنًا له دوره في الطبيعة، يساعد في مكافحة القوارض ويحافظ على التوازن البيئي، لتبقى حكايتها مثالًا على كيف يمكن لطائر واحد أن يحمل معاني مختلفة من ثقافة إلى أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى