دماء على جغرافيا النيل.. السودان بين طاحونة الحرب وتآكل الضمير الدولي
لم تكن الحرب في السودان مجرد اشتباكات عابرة على تخوم السلطة، بل كانت طوفاناً جارفاً اقتلع استقرار ملايين البشر، وأعاد رسم خريطة الدم والنزوح في قلب الوادي. منذ تفجر شرارة الصراع في الخامس عشر من أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تحولت المدن الآمنة إلى ساحات لكر وفر الموت. بدأت الحكاية بهجمات خاطفة ومباغتة حول المدينة الرياضية ومطار الخرطوم ومروي، لتتسع رقعة النار وتلتهم العاصمة وولايات دارفور وكردفان، مخلفةً وراءها مئات الضحايا، وموجات نزوح غير مسبوقة تكدست على الحدود، وتغاضياً دولياً فاضحاً يثير الأسئلة حول موازين المصالح وحسابات النفوذ.
الفاشر.. جرح الـ 18 شهراً وسقوط الأخلاق الدولية
لم يكن ما جرى في مدينة الفاشر سوى عنوان بارز لفاجعة إنسانية تركت لحتفها وحدها طيلة ثمانية عشر شهراً من الحصار المطبق والقسوة البالغة. التقارير والشهادات الدولية – وعلى رأسها ما قدمه ناثانيال ريموند أمام البرلمان البريطاني – فضحت بوضوح حجم التواطؤ أو التردد الغربي في ممارسة الضغط الحقيقي على الأطراف الداعمة لقوات الدعم السريع بالعتاد والطائرات المسيّرة والمرتزقة عبر ممرات إقليمية كتشاد وإثيوبيا وليبيا. إن صمت المجتمع الدولي وإغفاله للتحذيرات المتكررة التي سبقت سقوط الفاشر أواخر العام الماضي، يثبت مجدداً أن الدم الإنساني غالباً ما يُوزن بميزان المصالح الاقتصادية والسياسية الضيقة للقوى الكبرى.
سباق الهدن الهشة وازدواجية المعايير الأممية
توالت الهدن الدبلوماسية المبرمة برعاية إقليمية ودولية، فوصلت إلى خمس هدنات متتالية، لترتطم جميعها بجدران خرقها الميداني المتكرر. فمن اتفاقيات وقف إطلاق النار التي رعتها الولايات المتحدة والسعودية، إلى تحركات مجلس الأمن الدولي لتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان بدلاً من دارفور وحدها، ظلت الإجراءات الغربية رهينة الشكلية والبطء المتعمد. وفي خضم هذا التخبط، تفاقمت الأزمات الميدانية والبيولوجية، بدءاً من السيطرة على المختبرات الحساسة وسط تحذيرات منظمة الصحة العالمية، وصولاً إلى الفضائح الرقابية التي كشف عنها تقرير مكتب المفتش العام للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في يونيو 2026، والتي أثبتت ضياع وفقدان الرقابة على ملايين الدولارات من المساعدات التي استغلتها فصائل مسلحة لتمويل اقتصاد الحرب.
الهروب من سجن كوبر.. عودة لأشباح الماضي
لم تتوقف تعقيدات المشهد عند حدود المواجهات العسكرية المباشرة، بل امتدت لتشمل الانفلات الأمني داخل المؤسسات العقابية، والذي توج بفرار قيادات بارزة من النظام السوداني السابق – كعلي عثمان طه، وأحمد هارون، وعوض الجار – من سجن كوبر الشهير وسط انقطاع المياه والكهرباء، بينما استقر الرئيس المعزول عمر البشير في مستشفى السلاح الطبي. هذا التطور أشعل حرب اتهامات متبادلة بين الجيش وقوات الدعم السريع حول الواقفين خلف هذا المخطط، ليؤكد أن جذور الصراع القديمة والجديدة تتداخل لتنتج معقداً سياسياً واجتماعياً بالغ الخطورة.
حكايات الجانب الآخر.. أسرى وحدود
وسط كل هذه المآسي، ظلت القضايا الجانبية والارتباطات الإقليمية حاضرة بقوة، مثل أزمة احتجاز الجنود المصريين في مروي بحكم التدريبات العسكرية المشتركة والتعاون الاستراتيجي قبل أن تتم إعادتهم بسلام، فضلاً عن الشائعات المتكررة حول التوترات على الحدود مع إثيوبيا في الفشقة. السودان اليوم لا يواجه مجرد صراع بين جنرالين، بل يواجه مخاضاً عسيراً يهدد كيان الدولة برمتها، ويضع الضمير الإنساني العالمي أمام اختبار حقيقي لا تقبل نتائجه القسمة على اثنين.



