د. محمود عبدالغني يكتب: “النباح الأخير حين تغفل الإنسانية”.. جنايةُ الطغيانِ ونداءُ الضميرِ الموءود
ُلقد أورثَنا هَذهِ المَخلوقاتِ الضعيفِة حالةً قلٍق ورهبٍة وارتيٍاب، أطفالنُا في الشوارعِ لم يتعلموا كيفَ يكونونَ رحيمون تِجاه تِلك الممخلوقاتِ، بل أورثوهم خوفًا من جنسِ بني آدم..
اللومُ كُل اللومِ على الإِنسان، الذي استرخصَ الروح.. والروحُ هبةُُ من اللهِ وما أدراكَ بِمن أذى روحًا بغير حقٍ، ما هذا الجحود وما تلك القسوةِ التي باتت تلمئ قلوب تكاد لا تنبضُ إلا بطشًا..
ففي غمرة الصخبِ الذي يملأُ أركانَ المدائن، وحين تتشابكُ خطى البشرِ فوقَ أرصفةِ الوجود، ينسلُّ من بينِ الشقوقِ صمتٌ رهيبٌ ومفزع.. صمتٌ يعلنُ موتَ القلوبِ وانتحارَ الرأفة..
إننا لا نعيشُ مجردَ قسوةٍ عابرة، بل نشهدُ زلزالًا وجوديًا انعدمت فيه الرحمةُ من الإنسانِ إلى الإنسان، وامتدت شظاياه لتطالَ كائناتٍ بريئة لا تملكُ لدفعِ الضرِّ عن نفسها سبيلًا..
لقد غدتِ الرأفةُ والرفقُ عملةً ممنوعة، وحلَّ محلَّها بطشٌ شديد، فلا “قتلٌ رحيم” يواسي احتضارها، ولا مراعاةٌ لوصايا السماءِ التي هبطت لتنظيمِ هذا الكون..
الفلسفةُ المقلوبة: مَسخُ الآدميةِ وتراجعُ الفطرة
هل انعدمتِ الضمائرُ حقًا، أم أننا نقفُ وجلِينَ أمام تغيرٍ جذريٍّ وبنيويّ في صفاتِ الإنسان؟
لقد جادلَ الفلاسفةُ طويلًا في ماهيةِ “الإنسان”، فرأى بعضهم أنه كائنٌ أخلاقيٌ بالفطرة، بينما حذّر آخرون من توحّشه إذا انخلعَ عن رداءِ القيم..
واليوم، نرى المشهدَ الفلسفيَّ يتجسدُ في أقبحِ صوره، إذ تحوّلَ الكائنُ الذي كُرِّمَ بالعقلِ إلى أداةِ إبادةٍ لأرواحٍ شاركتهُ حقَّ الوجود.. إنها أزمةُ “أنسنة” حقيقية، حيث تخلى الإنسانُ عن رتبتهِ السامية ليصبحَ الكائنَ الوحيدَ الذي يقتلُ لغيرِ حاجة، ويبطشُ لغيرِ مَدفعة، متناسيًا أن الحياةَ هبةٌ متساويةٌ في أصلِ الحق..
اللمسةُ القرآنية: أُممٌ أمثالكم وصيحةُ الحق
لو تدبرَ هذا الإنسانُ كتابَ ربِّه، لوجدَ أن السماءَ لم تفرّق في حقِّ الحياةِ بينَ ناطقٍ وأبكم.. لقد وهبَ اللهُ الحياةَ للإنسِ والجن، وذرأَ في الأرضِ الطيرَ والأنعامَ والحيوانات، وجعلَ لكلٍّ منها محرابًا يسبّحُ فيه بحمده.. يقولُ الحقُّ سبحانه وتعالى في محكمِ التنزيل بعد بسم الله الرحمن الرحيم:
{وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]
إنها “أُممٌ أمثالكم”.. لها مشاعرها، ولها عائلاتها، ولها وجعُها وتأوُّهُها.. وحين ينتهكُ الإنسانُ هذا الميثاقَ الإلهي، فإنه لا يقتلُ حيوانًا فحسب، بل يمزّقُ آيةً من آياتِ اللهِ في الكون، ويتعدى على وصايا الرسولِ الذي أخبرَ عن امرأةٍ دخلتِ النارَ في “هرّة”، ورجلٍ غُفرَ له في “كلبٍ” سقاه.. فأينَ أتباعُ هذا الهدى من تلكَ الخطايا؟..
ظلماتٌ تبتلعُ الوفاء
ما بالُ شوارعنا قد لبست ثوبَ الحدادِ دونَ أن تدري؟ ما بالها تسكنها ظلماتٌ فوقَ ظلمات، ليسَ من عتمةِ الليل، بل من حلكةِ النفوسِ وبطشِ الأيدي.. أيديٍّ جُبلت على الإعمارِ فصارت أداةً للدمار، تقتلُ دونَ رأفة، وتُريقُ الدماءَ دونَ شفقة..
وفي مفارقةٍ فلسفيةٍ موجعة، نجدُ في الكلابِ خصالًا من الوفاء، والتضحية، والتعلق، والصبر، خصالٌ لم ولن تكن يومًا في بني البشرِ إلا ما رحمَ ربي.. إن الكلبَ يحرسُ يدًا قد تضربه، ويبكي على صاحبٍ قد يخذله، بينما الإنسانُ يقابلُ هذا الوفاءَ بنصلٍ مسمومٍ أو برصاصةٍ غادرة.
وسطَ ضجيجِ المدينةِ الصاخب، هذا الضجيجِ الذي يصمُّ الآذانَ عن سماعِ استغاثةِ الضعفاء، ترقدُ جثثُ الكلابِ هامدةً على الأرصفةِ الباردة.. لا ترقدُ وحدَها، بل إلى جوارِ صغارِها الذينَ يتلمسونَ دِفئًا قد غادرَ جسدَ أمهاتهم إلى الأبد..
صغارٌ يلوذونَ بجثثٍ هجرتها الروح، باكيةً على حالِها، ولا تدري أيُّ ذنبٍ جلبَ عليها هذا اليتمَ المبكر.. تنظرُ عيونُهم الصغيرةُ إلى المارّةِ بذهولٍ وانكسار، وكأنها تسألُ عالمَ الأذكياء: “بأيِّ ذنبٍ قُتلت أمهاتنا؟”
إنَّ مشهدَ تلكَ الأرواحِ وهي تُزهقُ بدمٍ بارد هو صكُّ إدانةٍ للإنسانيةِ جمعاء. إننا لا ننقذُ الحيوانَ حينَ نرحمه، بل ننقذُ أنفسَنا من أن نتحولَ إلى مسوخٍ بشريةٍ بلا أرواح.
فهل من توبةٍ نصوحٍ تعيدُ للقلوبِ نبضَها، أم أنَّ الظلماتِ قد أحاطت بنا، ولم يعد في هذه المدينةِ متسعٌ لغيرِ صدى النحيب؟..
النباح الأخير..







