فاطمة عثمان تكتب: أمومة قيد الانتظار.. صراع الوعي بين إرث الخوف ورغبة الاحتواء
أمومة قيد الانتظار

مشاعر الأمومة تبدأ في التشكل داخلنا قبل الإنجاب بسنوات؛ تظهر في صورة قلق مفاجئ على أخت صغرى، أو غصة في القلب عند رؤية طفل يتعثر، هي لحظة إدراك فارقة حين نجد أنفسنا فجأة أمام تساؤل مرعب: هل سأكرر أخطاء من سبقوني؟
إن هذا الخوف من انتقال “عدوى الجراح” من الأم إلى ابنتها يمثل عبئاً نفسياً ثقيلاً، خاصة حين ندرك أن المجتمع الذي نعيش فيه بات مفتوحاً على مصراعيه بفعل السوشيال ميديا، مما يجعل السيطرة على المؤثرات الخارجية أمراً شبه مستحيل، ويزيد من حدة التوتر تجاه فكرة التربية التي لم تعد مجرد توفير مأكل ومشرب، بل أصبحت معركة وعي يومية لحماية روح غضة من السقوط في ذات الحفر التي هوينا فيها يوماً ما، وهذا الوجع الذي نشعر به تجاه إخوتنا الصغار ليس إلا “بروفة” حية لما ينتظرنا، حيث يتصارع بداخلنا صوت العقل الذي ينشد الحكمة، وصوت القلب الذي قد يصرخ قسوةً من فرط الخوف، لا من فرط الكراهية.

معضلة التربية: بين ما عشناه وما نتمناه
إن معضلة التربية الحقيقية تكمن في تلك الفجوة بين ما عشناه وما نتمناه. نحن نتذكر اللحظات التي اضطررنا فيها للاختباء والمداراة خوفاً من ردود الفعل القاسية، ونتساءل بمرارة: لماذا لا تكون حياتنا مع أطفالنا كتاباً مفتوحاً يسوده الحب بدلاً من الرعب؟
إن فكرة إنجاب روح جديدة في هذا العالم تبدو متعبة، لأنها تتطلب منا ترميم أنفسنا أولاً قبل أن نتمكن من ترميم غيرنا. فنحن لا نريد لأطفالنا أن يمشوا في “سكتنا” إذا كانت مليئة بالأشواك، لكننا في الوقت ذاته نخشى ألا نملك الوعي الكافي لتوجيههم دون خنقهم.
نحو علاقة قائمة على الرفقة لا الرقابة
هذا الإدراك المتأخر لمشاعر الآباء يضعنا في مواجهة مع الحقيقة؛ وهي أن القسوة أحياناً كانت قناعاً للخوف العاجز. لكننا نملك الآن الفرصة لكسر هذه الدائرة، ليكون هدفنا هو بناء علاقة قائمة على الرفقة لا الرقابة، حيث لا تحتاج الابنة أن تتوارى عن الأنظار لتفعل ما تريد، بل تجد في حضن أمها الملاذ الأول والأخير.
فالتربية ليست مجرد مسؤولية، بل هي رحلة تشافي نخوضها لنضمن ألا يصرخ قلبنا في وجه أطفالنا لمجرد أننا نتألم من الداخل.





