من التهميش إلى التنمية المستدامة.. كيف أعادت «حياة كريمة» رسم ملامح الريف المصري؟
مبادرة حياة كريمة

لم تعد التنمية في مصر تقتصر على تنفيذ مشروعات البنية التحتية أو إقامة المنشآت، وإنما أصبحت تستهدف الإنسان في المقام الأول، من خلال تحسين مستوى المعيشة وتوفير الخدمات الأساسية وخلق فرص اقتصادية مستدامة، خاصة في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.
وفي هذا الإطار، جاءت مبادرة حياة كريمة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتصبح أحد أبرز المشروعات القومية الهادفة إلى تطوير الريف المصري وتحقيق العدالة الاجتماعية، عبر تنفيذ تدخلات تنموية متكاملة تستهدف تحسين جودة الحياة وبناء مجتمعات ريفية أكثر قدرة على النمو والاستدامة.
وجاء التأسيس الرسمي لمؤسسة «حياة كريمة» عام 2019، لتكون مظلة مؤسسية تنظم جهود الشباب والمتطوعين وتدعم تنفيذ الأنشطة والمشروعات التنموية وفق آليات أكثر تنظيمًا واستدامة.
حياة كريمة…شراكات واسعة لتوحيد الجهود التنموية
اعتمدت «حياة كريمة» على التعاون بين مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، حيث عملت المؤسسة بالتنسيق مع أكثر من 20 وزارة وهيئة حكومية**، إلى جانب 23 منظمة من منظمات المجتمع المدني، وبمشاركة آلاف الشباب المتطوعين.
واستهدفت هذه الشراكات توحيد الجهود التنموية داخل القرى والمراكز وتوابعها، وضمان وصول الخدمات الأساسية والمرافق الحيوية إلى المواطنين، مع ترسيخ مفهوم المسؤولية المشتركة بين مختلف الجهات المشاركة في عملية التنمية.
الفئات الأكثر احتياجًا في قلب المبادرة
ركزت المبادرة على الفئات الأكثر احتياجًا، بهدف تحسين ظروفها المعيشية وتوفير الخدمات التي تساعدها على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار، ومن أبرز الفئات المستهدفة:
الأسر الأكثر احتياجًا في المناطق الريفية.
النساء المعيلات والمطلقات.
كبار السن وذوو الهمم.
الأيتام والأطفال.
الشباب القادرون على العمل والمتطوعون.
من تحسين المنازل إلى الرعاية الصحية
لم تقتصر تدخلات «حياة كريمة» على إنشاء المشروعات الكبرى، وإنما امتدت إلى تحسين الظروف المعيشية للأسر داخل منازلها، من خلال رفع كفاءة المنازل، وإنشاء الأسقف، وتطوير البنية الأساسية، ومد وصلات مياه الشرب والصرف الصحي.
كما أولت المبادرة القطاع الصحي اهتمامًا كبيرًا، من خلال توفير الكشوفات الطبية وإجراء العمليات الجراحية وتوفير العلاج والأجهزة التعويضية، ومن بينها السماعات والنظارات والكراسي المتحركة، بما يسهم في توفير رعاية صحية أفضل للمواطنين في القرى.
التمكين الاقتصادي.. فرص عمل لأهالي القرى
وضعت «حياة كريمة» التمكين الاقتصادي ضمن محاورها الأساسية، من خلال دعم المشروعات متناهية الصغر وتفعيل دور التعاونيات الإنتاجية في القرى.
ويستهدف هذا المحور توفير فرص عمل جديدة، ودعم الشباب والمرأة، وتعزيز قدرة الأسر على الاعتماد على مصادر دخل مستقرة، بما يحول التنمية من مجرد تقديم مساعدات مؤقتة إلى تمكين اقتصادي مستدام.
وامتدت جهود المبادرة إلى تقديم صور مختلفة من الدعم الاجتماعي، من بينها تجهيز منازل الفتيات اليتيمات للزواج وتنظيم الأفراح الجماعية، إلى جانب توزيع المواد الغذائية والسلال الغذائية على الأسر الأولى بالرعاية.
كما تضمنت المبادرة تدخلات بيئية لجمع المخلفات والاستفادة منها من خلال إعادة التدوير، بما يساعد على تحسين المظهر الحضاري والبيئة العامة للقرى.
المرحلة الأولى.. 20 مليون مواطن في قلب التنمية
حققت المرحلة الأولى من المشروع القومي «حياة كريمة» توسعًا جغرافيًا وقطاعيًا كبيرًا خلال الفترة من 2019 إلى 2025، حيث شملت 20 محافظة ريفية و52 مركزًا و3333 وحدة محلية، واستهدفت 1477 قرية، بإجمالي مستفيدين بلغ نحو 20 مليون مواطن.
وحصلت محافظات الصعيد على النصيب الأكبر من مخصصات المرحلة، بنسبة بلغت 68%، ليستفيد منها نحو 11 مليون مواطن.
استثمارات ضخمة ومعدلات تنفيذ مرتفعة
بلغ إجمالي مخصصات المرحلة الأولى نحو 350 مليار جنيه، فيما تجاوزت قيمة الإنفاق الفعلي 298 مليار جنيه، وبلغت معدلات تنفيذ المشروعات نحو 88% إلى 90%، بإجمالي أكثر من 22 ألفًا و500 مشروع تم الانتهاء منها.
طفرة في مياه الشرب والصرف الصحي
شهد قطاع مياه الشرب تنفيذ 349 محطة مياه، إلى جانب إنشاء نحو 463 ألف وصلة منزلية ومد شبكات مياه بطول 6700 كيلومتر، مع وصول نسبة إتاحة الخدمة إلى 100% في القرى المستهدفة.
وفي مجال الصرف الصحي، تم تنفيذ 29 محطة معالجة و719 مشروعًا للصرف الصحي، بالإضافة إلى إنشاء نحو 1.4 مليون وصلة منزلية، لترتفع نسبة إتاحة الخدمة من **20% إلى 90%.
الصحة والتعليم في مقدمة الأولويات
وفي القطاع الصحي، شملت المشروعات إنشاء وتطوير 796 وحدة صحية و367 وحدة إسعاف، إلى جانب المستشفيات المركزية، بما عزز قدرة القرى المستهدفة على الحصول على الخدمات الطبية.

أما قطاع التعليم، فشهد إنشاء وتطوير نحو 15 ألفًا و300 فصل دراسي، بهدف دعم البنية التعليمية وتقليل الكثافات وتحسين جودة الخدمات المقدمة للطلاب في الريف.
التحول الرقمي والخدمات الحكومية
دخل التحول الرقمي ضمن محاور تطوير القرى، حيث تم توصيل شبكات الألياف الضوئية إلى 940 قرية، إلى جانب نشر 1287 ماكينة صراف آلي** لتغطية الوحدات المحلية، فضلًا عن إنشاء **332 مجمع خدمات حكومية و937 مركز شباب.
وتساهم هذه المشروعات في تقريب الخدمات الحكومية والمالية والشبابية من المواطنين، وتقليل الحاجة إلى الانتقال لمسافات بعيدة للحصول على الخدمات الأساسية.
68.7 مليار جنيه لدعم الشمول المالي
شهد محور التمكين الاقتصادي والشمول المالي تمويلات بلغت نحو 68.7 مليار جنيه، استفاد منها حوالي 3.2 مليون مواطن، بلغت نسبة الإناث بينهم 55%.
وساهمت هذه الجهود في رفع مؤشر الشمول المالي الكلي إلى نحو 75%، بما يعكس اتساع نطاق استفادة المواطنين في القرى من الخدمات والمنتجات المالية.
المرحلة الثانية.. توسيع نطاق التنمية
تواصل الدولة تنفيذ خطط تطوير الريف المصري من خلال المرحلة الثانية خلال الفترة من 2026 إلى 2028، والتي تستهدف تطوير 1667 قرية إضافية** باستثمارات تتجاوز 200 مليار جنيه، لخدمة نحو **22 مليون مواطن جديد.
وتضع المرحلة الجديدة عددًا من القطاعات الأساسية على رأس أولوياتها، وفي مقدمتها مياه الشرب والصرف الصحي والغاز الطبيعي والاتصالات، إلى جانب الخدمات الصحية والتعليمية، بما يستهدف استكمال منظومة التنمية وتحقيق أكبر قدر من التكامل بين مختلف الخدمات.
«حياة كريمة».. بناء الإنسان قبل المكان
أثبتت تجربة «حياة كريمة» أن التنمية الحقيقية لا تتوقف عند إنشاء الطرق والمرافق والمنشآت، وإنما تبدأ من تحسين حياة المواطن وتوفير احتياجاته الأساسية، وفتح المجال أمامه للحصول على التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل والخدمات الحديثة.
ومع استمرار تنفيذ مراحل المبادرة، تتجه الدولة إلى ترسيخ نموذج متكامل للتنمية في الريف المصري، يجمع بين تطوير البنية التحتية والتمكين الاقتصادي والاجتماعي والتحول الرقمي، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويقلل الفجوات بين الريف والحضر.
وتبقى «حياة كريمة» واحدة من أبرز التجارب التنموية التي تستهدف تغيير واقع ملايين المواطنين، ليس فقط من خلال توفير الخدمات، وإنما عبر بناء مجتمعات أكثر استدامة وقدرة على توفير حياة أفضل للأجيال الحالية والمقبلة.









