المتاحف تتحدث.. قصص قطع أثرية تحكي تاريخ الحضارات
تاريخ الحضارات، منذ أن عرف الإنسان الكتابة، بدأ يسجل حكايته على جدران المعابد، وعلى الأحجار والبرديات والأواني والتماثيل، فكانت الحضارات القديمة تترك وراءها شواهد تحكي كيف عاش الإنسان، وما الذي آمن به، وكيف بنى مدنه ومقابره ومعابده، قبل أن تصل إلينا هذه الآثار بعد آلاف السنين.
من الحضارة المصرية القديمة التي امتدت لآلاف السنين، إلى حضارات بلاد الرافدين واليونان وروما والصين، لم تكن القطع الأثرية مجرد أحجار صامتة، بل كانت صفحات مفتوحة من تاريخ الإنسانية. ومن هنا جاءت فكرة المتاحف؛ لتجمع هذه الشواهد وتحافظ عليها وتقدمها للأجيال في صورة حكايات متكاملة، فكل تمثال أو مخطوطة أو قطعة فنية تحمل وراءها قصة عن زمن وأشخاص ومجتمع كامل.
فكان على الدول القيام بمبنى يضم به هذه الثروات الفنيه الذي تركوها لنا أجدانا، وقاموا بعمل المتاحف فى كل دولة تمتلك حضاره، فأشهر متاحف العالم، وأشهر القطع الأثرية التى تركت بصمه فى تاريخ انشاء ونقل فى تلك المتاحف.

تاريخ الحضارات … المتحف المصري الكبير حين تتجمع الحضارة المصرية في مكان واحد
في قلب الجيزة، وعلى مقربة من أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع، يقف المتحف المصري الكبير بوصفه أحد أكبر المشروعات المتحفية المخصصة لحضارة واحدة، وقد صُمم ليقدم تاريخ مصر القديمة في رحلة تبدأ من عصور ما قبل التاريخ وتمتد حتى العصر اليوناني الروماني.
ويضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، مع مجموعة الملك توت عنخ آمون التي تعرض للمرة الأولى بصورة متكاملة تقريبًا، إلى جانب تماثيل ضخمة وقطع ملكية ومقتنيات جنائزية وأدوات تكشف تفاصيل الحياة اليومية في مصر القديمة.

ومن أبرز القطع التي تستقبل الزائر في المتحف تمثال الملك رمسيس الثاني، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 11 مترًا ويزن قرابة 83 طنًا، ليكون واحدًا من أهم رموز القوة التي امتلكها ملوك مصر القديمة.
رحلة رمسيس الثاني من الميدان إلى المتحف
حكاية تمثال رمسيس الثاني لا تبدأ عند المتحف الكبير، فقد اكتُشف التمثال عام 1820 في منطقة ميت رهينة، وكان مكونًا من أجزاء مكسورة، ثم جرت عمليات ترميمه قبل نقله إلى ميدان باب الحديد، الذي عُرف لاحقًا باسم ميدان رمسيس، عام 1955.
وفي عام 2006، انتقل التمثال إلى منطقة الرماية بالقرب من المتحف المصري الكبير، قبل أن تبدأ رحلته الأخيرة إلى موقعه داخل البهو العظيم في 25 يناير 2018.
ولأن التعامل مع تمثال يزن 83 طنًا ليس مهمة عادية، سبقت عملية النقل دراسات وتجهيزات هندسية دقيقة. ونُقل التمثال داخل قفص معدني خاص، على مقطورتين، وسارت عملية النقل ببطء لمسافة نحو 400 متر حتى وصل إلى مكان عرضه النهائي. وتشير تقارير هندسية إلى أن التمثال خضع أيضًا للمسح بالليزر لإنشاء نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد ساعد في التخطيط لعملية نقله وتركيبه.

وهكذا أصبح رمسيس الثاني أول قطعة أثرية كبرى تستقر في موقع العرض الرئيسي بالمتحف، وكأن الملك الذي حكم مصر منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام ما زال يقف حتى اليوم على بوابة حكاية جديدة عن حضارته.
اللوفر.. آثار مصرية تسافر إلى قلب باريس
في باريس، يحكي متحف اللوفر جانبًا آخر من القصة. فالمتحف لا يضم أعمالًا فنية شهيرة مثل الموناليزا فقط، وإنما يمتلك أيضًا واحدة من أغنى مجموعات الآثار المصرية الموجودة خارج مصر، وتضم آلاف القطع من التوابيت والبرديات والتماثيل واللوحات الحجرية والأثاث الجنائزي وغيرها.
وتعود بداية القسم المصري في اللوفر إلى القرن التاسع عشر، خصوصًا بعد نجاح عالم الآثار الفرنسي جان فرانسوا شامبليون في فك رموز الكتابة الهيروغليفية عام 1822. وفي عام 1827 افتُتح أول متحف مصري داخل اللوفر تحت إشراف شامبليون.

ومن القطع المرتبطة بهذه المرحلة تماثيل ضخمة لرمسيس الثاني، إلى جانب تمثال الكاتب الجالس وقطع أخرى تعكس جوانب مختلفة من الحضارة المصرية. وتوضح إدارة اللوفر أن جانبًا من مقتنياته المصرية جاء من مجموعات خاصة اقتنتها فرنسا، ومن عمليات تقسيم مكتشفات الحفائر التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، قبل أن تتوقف هذه الممارسة عام 1981.
وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ المتاحف العالمية؛ فوجود آثار مصرية في الخارج لم يكن دائمًا نتيجة طريق واحد، بل تراوح تاريخيًا بين الشراء والتبرعات وتقسيم مكتشفات الحفائر والبعثات الأثرية، فضلًا عن القطع التي خرجت في ظروف سياسية واستعمارية مختلفة.
المتحف البريطاني.. حجر رشيد الذي غيّر قراءة مصر القديمة
أما في لندن، فيحمل المتحف البريطاني واحدة من أشهر القطع المصرية في العالم: حجر رشيد.
اكتُشف الحجر عام 1799 بواسطة جنود فرنسيين كانوا يعملون في تحصينات قرب مدينة رشيد أثناء الحملة الفرنسية على مصر. وتكمن أهميته في احتوائه على نص واحد بثلاث كتابات: الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية، وهو ما ساعد العلماء على فك رموز الهيروغليفية، وصولًا إلى جهود شامبليون التي أسست لعلم المصريات الحديث.

وبعد هزيمة القوات الفرنسية، انتقل الحجر إلى البريطانيين بموجب معاهدة الإسكندرية عام 1801، ووصل إلى إنجلترا في فبراير 1802، ومنذ يوليو من العام نفسه أصبح ضمن مقتنيات المتحف البريطاني.
وحجر رشيد موجود حتى الآن في لندن، داخل المتحف البريطاني، في قاعة النحت المصري رقم 4.
ولا تقتصر الحكاية المصرية في المتحف البريطاني على حجر رشيد، فالمجموعة المصرية تضم أكثر من 100 ألف قطعة، بينها تماثيل ضخمة وقطع من المقابر والمعابد ومومياوات وأعمال فنية، ومن بينها الرأس الضخم لتمثال رمسيس الثاني المعروف باسم «رامسيس الأصغر» أو Younger Memnon، والذي وصل إلى المتحف عام 1817.
وتصل المجموعة الكاملة للمتحف البريطاني إلى نحو 8 ملايين قطعة تغطي ملايين السنين من تاريخ الإنسان، وهو ما يجعل المتحف واحدًا من أكبر خزائن التراث العالمي.
المتروبوليتان.. معبد مصري كامل في نيويورك
عبر المحيط الأطلسي، تحتفظ متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك بواحدة من أكثر القطع المصرية إثارة؛ معبد دندور.
المعبد يعود إلى العصر الروماني في مصر، وشُيد في النوبة، وكان مهددًا بالغرق بعد بناء السد العالي وتكوّن بحيرة ناصر. وفي إطار الحملة الدولية التي قادتها اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة، جرى تفكيك عدد من المعابد وإعادة تركيبها في أماكن آمنة.

وفي عام 1965 قدمت مصر معبد دندور إلى الولايات المتحدة تقديرًا لمساهمتها في حملة إنقاذ آثار النوبة، ثم مُنح المعبد لمتحف المتروبوليتان عام 1967، وأُعيد تركيبه داخل المتحف وافتُتح للجمهور عام 1978.
وهنا تختلف قصة دندور عن قطع أخرى خرجت من مصر في فترات سابقة؛ فالمعبد لم يُنقل باعتباره غنيمة أثرية، وإنما جاء إلى الولايات المتحدة في إطار قرار مصري رسمي مرتبط بحملة إنقاذ آثار النوبة.
متاحف الفاتيكان.. حكايات اليونان وروما
في قلب مدينة الفاتيكان، تجمع متاحف الفاتيكان مجموعات ضخمة من الآثار والفنون التي تعكس تاريخ الحضارتين اليونانية والرومانية.
وتعود نواة مجموعات النحت الكلاسيكي إلى مجموعة البابا يوليوس الثاني في بداية القرن السادس عشر، ومن أشهر الأعمال المرتبطة بهذه المجموعة أبولو بلفيدير ولاوكون وأبناؤه. كما تضم المتاحف أقسامًا متخصصة في الآثار اليونانية والرومانية، إلى جانب مجموعات أخرى تمتد من العصور القديمة إلى الفن الحديث.

وتحمل مقتنيات الفاتيكان أيضًا قصة أخرى عن حركة الآثار في أوروبا؛ ففي أعقاب معاهدة تولينتينو عام 1797، أُجبرت الدولة البابوية على تسليم عدد من روائع مجموعاتها لنابليون ونُقلت إلى باريس، قبل أن تستعيد الفاتيكان جزءًا كبيرًا منها بعد سقوط نابليون ومؤتمر فيينا عام 1815، بجهود دبلوماسية قادها النحات أنطونيو كانوفا.
أثينا.. الحضارة اليونانية تتحدث بلغتها الأصلية
في اليونان، يمثل المتحف الوطني للآثار واحدة من أهم المحطات لفهم الحضارة اليونانية من داخل موطنها.
ويضم المتحف أكثر من 11 ألف قطعة معروضة، تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور المتأخرة، وتشمل المنحوتات والأواني والفنون المعدنية والآثار الميسينية والسيكلادية، إلى جانب مجموعة من الآثار المصرية والشرقية. كما يضم مجموعة ضخمة من المنحوتات التي تتتبع تطور الفن اليوناني عبر قرون طويلة.

وهنا تصبح القطعة الأثرية جزءًا من سياقها الأصلي؛ فالتماثيل لا تظهر باعتبارها أعمالًا فنية منفصلة، وإنما بوصفها مراحل في تطور المجتمع اليوناني وعلاقته بالدين والسياسة والحياة اليومية.
بيرغامون.. بوابة عشتار تحكي قصة بابل
وفي برلين، كان متحف بيرغامون من أشهر المتاحف التي قدمت آثار الحضارات القديمة من خلال إعادة بناء عناصر معمارية ضخمة.
ومن أبرز ما ارتبط به بوابة عشتار وطريق الموكب البابلي، وهما من أهم القطع التي تمثل حضارة بلاد الرافدين.

وتحمل بوابة عشتار قصة بابل القديمة إلى أوروبا من خلال الطوب المزجج والرموز الحيوانية التي ارتبطت بالمدينة وبالإلهة عشتار. ويخضع المتحف حاليًا لمشروع تجديد واسع، مع استمرار أعمال التطوير، ومن المقرر إعادة افتتاح الجناح الشمالي في 2027، بينما يتوقع افتتاح الجناح الجنوبي في 2037.
الصين.. المدينة المحرمة تتحول من قصر إمبراطوري إلى متحف
وفي بكين، تأخذنا القصة إلى الحضارة الصينية عبر متحف القصر الإمبراطوري، المعروف باسم المدينة المحرمة.
المكان لم يبدأ كمتحف، بل كان قصرًا إمبراطوريًا عاش فيه أباطرة أسرتي مينغ وتشينغ، قبل أن يتحول إلى متحف عام عام 1925.

واليوم يضم المتحف 1,863,404 قطعة وفق بياناته الرسمية، تشمل الخزف، واليشم، واللوحات، والخطوط، والوثائق، والتحف الملكية وغيرها، لتصبح المدينة المحرمة نفسها جزءًا من القطعة الأثرية، وليس مجرد مبنى يحتفظ بالآثار.
وهنا تختلف الحكاية عن المتاحف التي تجمع آثارًا من مناطق متعددة؛ فالزائر في المدينة المحرمة يتحرك داخل المكان الذي صُنعت فيه أجزاء كبيرة من القصة نفسها، بين القصور والساحات والأبواب والتحف التي ارتبطت بالحياة الإمبراطورية الصينية.
من حجر صغير إلى معبد ضخم.. القطع الأثرية لا تحكي قصة واحدة
تختلف حكايات المتاحف، لكن القاسم المشترك بينها أن القطعة الأثرية لا تنتهي قصتها بمجرد اكتشافها أو وضعها خلف زجاج. فحجر رشيد ارتبط بفك رموز لغة كاملة، ورمسيس الثاني أصبح شاهدًا على قوة الدولة المصرية القديمة، ومعبد دندور يحمل قصة إنقاذ آثار النوبة من الغرق، بينما تعكس المدينة المحرمة آلاف السنين من التاريخ الإمبراطوري الصيني.
كما تكشف هذه الرحلة جانبًا آخر من تاريخ المتاحف، وهو رحلة انتقال الآثار نفسها بين الدول؛ بعضها جاء عن طريق التنقيب والشراء والتبادل أو الهدايا الرسمية، وبعضها ارتبط بفترات الحرب والاستعمار والبعثات الأجنبية، وهو ما جعل ملكية الآثار وحق الدول في استعادتها قضية ثقافية وسياسية مستمرة حتى اليوم.
المتحف.. مكان تحفظ فيه الحضارة ذاكرتها
لا يمكن النظر إلى المتحف باعتباره قاعة مليئة بالتماثيل والأحجار فقط، بل هو مساحة تحفظ ذاكرة الإنسان. فكل قطعة تحمل زمنًا ومكانًا وصانعًا ومجتمعًا، وكل متحف يعيد ترتيب هذه القصص ليمنح الزائر فرصة للعودة آلاف السنين إلى الوراء.
ومن مصر القديمة إلى الصين، ومن اليونان وروما إلى بابل، تبقى القطع الأثرية شاهدة على أن الحضارات قد تتغير، والمدن قد تختفي، والملوك قد يرحلون، لكن ما تركه الإنسان وراءه يستطيع أن يظل يتحدث؛ فقط يحتاج إلى متحف يعرف كيف يصغي إلى حكايته.



