منوعات

فنارات البحر الأحمر.. حراسة تاريخية للملاحة ومنارات مضيئة لخدمة السفن العابرة

فنارات البحر الأحمر

على امتداد مياه البحر الأحمر، تقف عشرات الفنارات والعلامات الملاحية شاهدة على تاريخ طويل من حركة السفن والملاحة البحرية، حيث لا تقتصر مهمتها على إضاءة الطريق أمام السفن خلال ساعات الليل، وإنما تشكل جزءًا أساسيًا من منظومة السلامة البحرية وإرشاد السفن العابرة للمياه الإقليمية المصرية، خاصة المتجهة إلى قناة السويس أو القادمة منها.

وتتنوع هذه الفنارات بين منشآت ثابتة مأهولة يقيم بها العاملون، وأخرى آلية تعمل دون وجود عمال بشكل دائم، فيما ارتبط عدد منها بتاريخ الملاحة المصرية منذ القرن التاسع عشر، بالتزامن مع التطور الكبير الذي شهدته حركة النقل البحري عقب حفر وافتتاح قناة السويس.

فنارات البحر الأحمر فوق الجزر البحرية

يضم البحر الأحمر عشرات الجزر، وشهدت بعض هذه الجزر إنشاء فنارات لتحديد المسارات البحرية ومساعدة السفن على معرفة مواقعها أثناء الإبحار، ومن أبرزها فنارات أبو الكيزان، والأخوين، والأشرفي، وشاكر.

وتخضع هذه المنشآت لإشراف هيئة السلامة البحرية، وتؤدي دورًا مهمًا في تنظيم حركة المرور البحري داخل المياه الإقليمية، إلى جانب إرشاد السفن التي تعبر البحر الأحمر في اتجاه قناة السويس أو القادمة منها.

فنارات البحر الأحمر
فنارات البحر الأحمر

وتنقسم الفنارات الموجودة في نطاق البحر الأحمر إلى عدة أنواع، من بينها الفنارات المأهولة التي يقيم بها العاملون، وأخرى آلية لا تحتاج إلى وجود أطقم بشكل مستمر، وتعتمد بعض المنشآت الحديثة على الطاقة الشمسية لتشغيل أنظمتها، مع إجراء أعمال صيانة دورية للحفاظ على كفاءتها.

ويصل عدد الفنارات الساكنة إلى نحو 10 فنارات، من بينها 6 منشآت على الشاطئ و4 فوق الجزر البحرية، إلى جانب مجموعة من العلامات الملاحية المنتشرة على امتداد الساحل، لتحديد المواقع والمسارات البحرية أمام السفن.

أبو الكيزان والأخوين والأشرفي

يأتي فنار جزيرة أبو الكيزان ضمن أبرز العلامات الملاحية في جنوب البحر الأحمر، حيث يقع أمام شواطئ جنوب مدينة الشلاتين، ويساعد السفن العابرة في تلك المنطقة على تحديد مسارها وموقعها.

وفي مواجهة شواطئ مرسى علم، يظهر فنار جزيرة الأخوين، الذي يمثل نقطة إرشاد ملاحية مهمة للسفن التي تمر بهذه المنطقة، بينما يقع فنار الأشرفي فوق جزيرة الأشرفي في نطاق مدينة الغردقة، ليواصل دوره في خدمة حركة الملاحة البحرية.

أما فنار شاكر، فيقع فوق جزيرة شدوان الشهيرة، ويحمل إلى جانب قيمته الملاحية ذكرى تاريخية ارتبطت بأحداث معركة شدوان عام 1970.

فنار شاكر.. حكاية اسم وبطولة

ارتبط فنار شاكر بتاريخ جزيرة شدوان، التي شهدت مواجهة عسكرية خلال حرب الاستنزاف، عندما تعرضت الجزيرة لهجوم إسرائيلي عام 1970، ووقعت اشتباكات بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية.

وكان الفنار يُعرف باسم فنار شدوان، قبل أن يتغير اسمه إلى فنار شاكر، تخليدًا لاسم ضابط بالقوات المسلحة استشهد داخل الفنار أثناء مشاركته في الدفاع عن الجزيرة.

وبذلك أصبح الفنار يحمل وظيفتين متداخلتين؛ الأولى ملاحية تتمثل في إرشاد السفن العابرة، والثانية تاريخية، باعتباره شاهدًا على واقعة ارتبطت بالدفاع عن الجزيرة، ليظل اسمه حاضرًا في ذاكرة المكان.

«عايدة 4».. سفينة تصل إلى الفنارات

وتحتاج الفنارات المقامة فوق الجزر البحرية إلى متابعة وصيانة مستمرة، وهي مهمة تتولاها سفينة الصيانة «عايدة 4»، التي تصل إلى المواقع البحرية لتوفير احتياجات العاملين، ونقل المؤن، إلى جانب تنفيذ أعمال الصيانة والمتابعة للمنشآت والمعدات.

وتتغير أطقم العمل الموجودة داخل الفنارات بشكل دوري، وقد تمتد فترة إقامة الطاقم في بعض المواقع إلى ما بين 40 و60 يومًا، وفقًا لطبيعة كل فنار وظروف العمل به.

وتتضمن الإمدادات الأغذية ومياه الشرب وغيرها من الاحتياجات الأساسية، مع توفير كميات إضافية تحسبًا لتقلبات الطقس وارتفاع الأمواج، والتي قد تجعل الوصول إلى بعض الجزر أكثر صعوبة، خاصة المواقع البعيدة عن الساحل.

أضواء تصل إلى 25 ميلًا بحريًا

تتميز الفنارات الأربعة الموجودة فوق الجزر بارتفاعات كبيرة، تتراوح وفق بيانات هيئة السلامة البحرية بين نحو 43 و55 مترًا، بينما يمكن أن تمتد إضاءتها لمسافة تصل إلى نحو 25 ميلًا بحريًا.

وتساعد هذه الإضاءة السفن على تحديد مواقعها والاستدلال على المسارات البحرية، وهو دور تزداد أهميته مع كثافة حركة السفن في البحر الأحمر، باعتباره أحد الممرات الرئيسية للسفن المتجهة إلى قناة السويس أو القادمة منها.

ولا تعمل الفنارات بصورة منفردة، بل تأتي ضمن منظومة متكاملة من العلامات الملاحية التي تستخدمها السفن لتحديد مواقعها والالتزام بالمسارات البحرية، بما يدعم إجراءات السلامة ويقلل من مخاطر الملاحة.

فنار رأس غارب.. أثر من القرن التاسع عشر

ومن بين أبرز الفنارات التاريخية في البحر الأحمر يأتي فنار رأس غارب، الذي يمثل أحد المعالم التاريخية المهمة في المدينة، ويرجع تاريخ إنشائه إلى القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي شهدت توسعًا في إنشاء الفنارات بالتزامن مع تطور حركة الملاحة عقب حفر قناة السويس.

وتزداد شهرة فنار رأس غارب بسبب ارتباطه باسم المهندس الفرنسي غوستاف إيفل، الذي ينسب إليه تصميم الفنار، وهو المهندس الذي ارتبط اسمه عالميًا بتصميم برج إيفل في العاصمة الفرنسية باريس.

وبحسب محمد أبو الوفا، مدير الوعي الأثري بآثار البحر الأحمر، فإن إنشاء فنار رأس غارب يعود إلى عهد الخديو إسماعيل، عندما شهدت تلك الفترة توسعًا في إقامة الفنارات على سواحل البحر الأحمر بهدف تنظيم حركة السفن القادمة إلى قناة السويس والمغادرة منها.

وأوضح أن الفنار أدى دورًا مهمًا في تأمين الملاحة شمال البحر الأحمر وتحديد العلامات الملاحية وإرشاد السفن خلال رحلاتها، مشيرًا إلى أن اختيار مواقع الفنارات كان يتم وفق دراسات دقيقة وبمشاركة مهندسين وبحارة ومتخصصين لتحديد المناطق الأكثر احتياجًا إلى العلامات الملاحية.

افتتاح فنار رأس غارب

ويرتبط فنار رأس غارب بمرحلة مهمة من تاريخ الملاحة المصرية، حيث افتتح في 16 نوفمبر 1869، بالتزامن مع الفترة التي شهدت استعدادات واسعة لافتتاح قناة السويس وتطوير منظومة الملاحة في البحر الأحمر.

وشهد افتتاح الفنار احتفالًا بحضور عدد من كبار رجال الدولة في ذلك الوقت، فيما سبق إنشاءه تحديد المواقع التي تحتاج إلى إقامة الفنارات، من خلال اجتماعات ودراسات شارك فيها مهندسون وبحارة ومتخصصون.

وجاءت هذه الخطوات ضمن خطة أوسع لتطوير منظومة الإرشاد الملاحي في البحر الأحمر، بعد أن أصبحت قناة السويس محورًا رئيسيًا لحركة السفن بين الشرق والغرب.

وتبقى فنارات البحر الأحمر أكثر من مجرد أبراج مضيئة تظهر للسفن في ظلام البحر؛ فهي جزء من تاريخ الملاحة المصرية ومنظومة مستمرة لحماية السفن وإرشادها، كما تحمل بعض هذه المنشآت ذاكرة تاريخية ارتبطت بأحداث وشخصيات تركت بصمتها في المكان.

وبين فنارات أقيمت فوق الجزر وأخرى شُيدت على الساحل، تواصل هذه العلامات الملاحية أداء مهمتها في خدمة حركة السفن العابرة، لتجمع بين التاريخ والهندسة والملاحة والسلامة البحرية في مشهد واحد على امتداد البحر الأحمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى