اخبار عالمية

مضيق هرمز يهدد أمن الطاقة الأوروبي وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات

تواجه أوروبا تحديات متزايدة في تأمين احتياجاتها من الطاقة، مع تصاعد المخاطر الأمنية والهجمات التي تستهدف السفن في مضيق هرمز، أحد أبرز الممرات البحرية لنقل النفط والغاز على مستوى العالم. ويثير تراجع حركة الملاحة عبر المضيق مخاوف من ارتفاع أسعار الوقود والغاز وزيادة الأعباء على الاقتصادات الأوروبية، رغم امتلاك دول الاتحاد الأوروبي احتياطيات استراتيجية وتعدد مصادر حصولها على الطاقة.

تراجع الملاحة في مضيق هرمز يثير مخاوف أسواق الطاقة

انخفضت حركة عبور السفن عبر مضيق هرمز إلى أدنى مستوياتها خلال أكثر من شهرين، وفقًا لتقرير نشرته وكالة «رويترز» في 8 أكتوبر 2026، وذلك عقب تسجيل الهجمات على السفن خلال الأسبوع السابق أعلى معدلاتها منذ اندلاع الحرب.

وبحسب بيانات شركة «كلبر» المتخصصة في تحليل أسواق الطاقة والشحن، تراجعت تدفقات النفط الخام عبر المضيق إلى نحو 10.1 مليون برميل يوميًا، بما يعادل 74% من مستوياتها المسجلة قبل اندلاع الصراع.

ورغم مساهمة زيادة الصادرات من مناطق أخرى في الشرق الأوسط في تعويض جانب من هذا التراجع، فإن استمرار المخاطر الأمنية يبقي أسواق الطاقة عرضة لمزيد من التقلبات. فتهديد ناقلات النفط لا يؤثر فقط على حجم الإمدادات، بل يؤدي أيضًا إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما قد ينعكس على الأسعار العالمية حتى في الدول التي لا تعتمد بصورة مباشرة على واردات الخليج.

مضيق هرمز.. شريان رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية

سلط تقرير لصحيفة «البولورال» الإسبانية الضوء على الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، موضحًا أن نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال كان يمر عبره قبل الحرب. وتنبع خطورة أي اضطراب في هذا الممر من محدودية المسارات البديلة القادرة على نقل كميات مماثلة من الطاقة إلى الأسواق الدولية.

وتوضح بيانات سبتمبر حجم التأثر في صادرات المنطقة؛ إذ بلغ متوسط صادرات دول الخليج، باستثناء إيران، من النفط والمكثفات والوقود المكرر نحو 19.2 مليون برميل يوميًا، بما يعادل قرابة 81% من مستويات ما قبل الحرب، وفقًا لشركة «فورتيكسا». وكانت صادرات الوقود المكرر الأكثر تضررًا، بعدما انخفضت إلى نحو 60% من مستوياتها السابقة للصراع.

ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على احتمال نقص المعروض، بل تشمل أيضًا زيادة تكاليف النقل والتأمين، بما يرفع أسعار النفط والمنتجات البترولية في الأسواق العالمية.

مضيق هرمز
مضيق هرمز

اعتماد أوروبا على الواردات يزيد مخاطر ارتفاع الأسعار

تشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن الاتحاد الأوروبي أنتج 43% من إجمالي الطاقة التي استهلكها خلال عام 2024، بينما اعتمد على الواردات لتغطية النسبة المتبقية، البالغة 57%. واستحوذ النفط ومشتقاته على نحو 67% من واردات الطاقة الأوروبية، مقابل 24% للغاز الطبيعي.

وتكشف هذه الأرقام مدى تأثر الأسواق الأوروبية بأي اضطراب واسع في تدفقات النفط والوقود المكرر، إذ قد تجد الدول المستوردة نفسها مضطرة إلى منافسة مشترين آخرين للحصول على الشحنات البديلة، وهو ما يرفع تكاليف الاستيراد وينعكس على أسعار البنزين والديزل والنقل والإنتاج الصناعي.

ويمتد القلق كذلك إلى سوق الغاز الطبيعي المسال، فرغم تنوع مصادر الإمداد الأوروبية، فإن استقرار الواردات البحرية يظل مرتبطًا بتوافر الشحنات والسفن وقدرات محطات الاستقبال، إلى جانب حجم المنافسة بين الأسواق المستهلكة.

وخلال عام 2025، استحوذت الولايات المتحدة على 58% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال، بما يعادل نحو ربع إجمالي الطلب الأوروبي على الغاز. وفي المقابل، تعتمد قطر، إحدى الدول الرئيسية المصدرة للغاز عالميًا، على طرق الشحن عبر الخليج لنقل جانب مهم من إنتاجها.

ومن ثم، فإن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة قد يزيد تكلفة حصول أوروبا على الغاز، حتى في حال استمرار وصول الإمدادات المخصصة لها وعدم توقفها بالكامل.

المخزونات الاستراتيجية تمنح أوروبا فرصة لاحتواء الأزمة

يمتلك الاتحاد الأوروبي مجموعة من الأدوات التي يمكن الاستعانة بها لتخفيف تداعيات اضطرابات الإمدادات، من بينها الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، وتنويع الدول الموردة، وتطوير البنية التحتية اللازمة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال.

وتُلزم القواعد الأوروبية الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزونات من النفط أو المنتجات البترولية تكفي لتغطية 90 يومًا من صافي الواردات أو 61 يومًا من الاستهلاك المحلي، وفقًا للمعيار المعمول به.

وتوفر هذه المخزونات هامشًا زمنيًا للحكومات للتعامل مع الانقطاعات المؤقتة، لكنها لا تحول دون ارتفاع الأسعار إذا استمر تراجع الإمدادات المتاحة عالميًا. كما أن البحث عن موردين بديلين قد يستغرق وقتًا، فضلًا عن احتمال تحمل تكاليف إضافية للحصول على الشحنات وتأمين نقلها.

وفي هذا الإطار، حذرت وكالة الاتحاد الأوروبي لتعاون منظمي الطاقة «إيسر» من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز طوال عام 2026 قد يؤدي إلى نقص في المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال يقدر بنحو 27 مليار متر مكعب مقارنة بعام 2025، وفقًا لما أورده التقرير.

الطاقة المتجددة خيار استراتيجي لتقليل التبعية الخارجية

تعيد اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز طرح تساؤلات بشأن قدرة الاحتياطيات وتنويع الموردين على توفير حماية كافية لأمن الطاقة الأوروبي، في ظل استمرار ارتباط الأسواق بتطورات الأوضاع الجيوسياسية وحركة التجارة البحرية.

وفي مواجهة هذه المخاطر، تبرز أهمية التوسع في إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وزيادة الاعتماد على وسائل النقل الكهربائية، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في القطاعات الصناعية والمنازل، بما يسهم في تقليص الحاجة إلى الوقود المستورد.

غير أن تنفيذ هذه الخطط يتطلب استثمارات ضخمة وتطوير البنية التحتية، إلى جانب فترة زمنية تسمح بظهور نتائج ملموسة، ما يعني أنها لا تمثل حلًا فوريًا لأي نقص طارئ في الإمدادات.

وبين إجراءات التعامل السريع مع الأزمات، مثل استخدام المخزونات الاستراتيجية وتأمين مصادر بديلة، والخطط طويلة الأجل الرامية إلى تعزيز الإنتاج المحلي من الطاقة النظيفة، تواجه أوروبا تحديًا يتمثل في حماية أسواقها من الصدمات الخارجية وتقليل انعكاساتها على تكاليف المعيشة والإنتاج الصناعي.

وتظل مدة اضطراب الملاحة في مضيق هرمز عاملًا حاسمًا في تحديد حجم التداعيات المحتملة؛ فكلما طال أمد الأزمة، زادت الضغوط على أسواق الطاقة الأوروبية، وارتفعت أهمية تسريع الخطط الرامية إلى تعزيز أمن الإمدادات وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى