سياسة

عصب الاقتصاد الوطني.. كيف ينحاز قانون الاستثمار للمشروعات الصغيرة والمتوسطة؟

تحتل المشروعات الصغيرة والمتوسطة موقعًا مهمًا في الاقتصاد المصري، لما تمثله من فرص لتوليد الوظائف، وتشجيع ريادة الأعمال، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وفتح المجال أمام دخول مستثمرين جدد إلى السوق.
وفي هذا الإطار، يوفر قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017، وتعديلاته، مجموعة من الضمانات والحوافز التي تستفيد منها المشروعات الاستثمارية المستوفية للشروط القانونية، مع تخصيص حوافز خاصة لبعض المشروعات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الإنتاجية والمناطق الجغرافية ذات الأولوية التنموية.
ولا يقتصر الأمر على تخفيف بعض الأعباء المالية، بل يمتد إلى تسهيل إجراءات التأسيس، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير آليات للتعامل مع المنازعات الاستثمارية، بما يساعد أصحاب المشروعات على تحويل أفكارهم إلى أنشطة اقتصادية قابلة للنمو والاستمرار.

أولًا: لماذا يولي قانون الاستثمار اهتمامًا بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة؟

تتمثل أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في قدرتها على الانتشار الجغرافي، واستيعاب العمالة، وتقديم منتجات وخدمات تلبي احتياجات السوق المحلية، فضلًا عن إمكانية تحول بعضها إلى شركات أكبر أو موردين للمصانع والشركات الكبرى.
ومن هنا، تتجه السياسات الاستثمارية إلى تشجيع هذه المشروعات على الدخول إلى الاقتصاد الرسمي، وتوسيع أنشطتها، والاستفادة من فرص الاستثمار المتاحة في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية والتكنولوجية.
ويمنح قانون الاستثمار إطارًا للحوافز العامة والخاصة والإضافية، مع إدراج المشروعات المتوسطة والصغيرة ضمن الفئات التي يمكن أن تستفيد من الحافز الاستثماري الخاص، وفقًا للمادة 11 من القانون وشروط تطبيقها
وتظل الاستفادة الفعلية مرتبطة بطبيعة النشاط، وموقع المشروع، وتاريخ تأسيسه وبدء تشغيله، ومدى استيفائه الشروط القانونية، وليس بمجرد تصنيفه مشروعًا صغيرًا أو متوسطًا.

وزارة الاستثمار عصب الاقتصاد الوطني
وزارة الاستثمار عصب الاقتصاد الوطني

ثانيًا: الحوافز الضريبية.. كيف يستفيد المستثمر من القانون؟

تُعد الحوافز الاستثمارية من أبرز الأدوات التي يستخدمها القانون لتشجيع إقامة المشروعات الإنتاجية، إذ تتيح تخفيف بعض الأعباء المرتبطة بالتأسيس والاستثمار، وفقًا لطبيعة المشروع والشروط المنظمة لكل حافز.
ومن أبرز هذه المزايا:

• الحافز الاستثماري الخاص: يمنح خصمًا من صافي الأرباح الخاضعة للضريبة، محسوبًا على أساس نسبة من التكاليف الاستثمارية، وفقًا للضوابط القانونية.
• الإعفاء من بعض الرسوم: تشمل الحوافز العامة إعفاء عقود تأسيس الشركات والمنشآت، وعقود التسهيلات الائتمانية والرهن المرتبطة بأعمالها، من ضريبة الدمغة ورسوم التوثيق والشهر لمدة خمس سنوات من تاريخ القيد في السجل التجاري.
• المعاملة الجمركية للآلات والمعدات: تخضع الآلات والمعدات والأجهزة اللازمة لإنشاء المشروعات الاستثمارية، وفقًا للقواعد المنطبقة، لفئة جمركية موحدة قدرها 2% من القيمة.
• الحوافز الإضافية: يمكن منح مزايا أخرى بقرار من مجلس الوزراء للمشروعات التي تستوفي الشروط القانونية.
وتساعد هذه المزايا على خفض بعض تكاليف إنشاء المشروع، لكنها لا تعني إعفاء جميع المشروعات الصغيرة والمتوسطة من الضرائب أو الرسوم بصورة شاملة.

ثالثًا: خصم استثماري يصل إلى 50%.. ما الشروط؟

تتضمن المادة 11 من قانون الاستثمار نظامًا للحوافز الخاصة يقوم على خصم نسبة من التكاليف الاستثمارية من صافي الأرباح الخاضعة للضريبة، مع اختلاف النسبة بحسب الموقع الجغرافي للمشروع وطبيعة نشاطه.
ويشترط للاستفادة من الحافز أن ينطبق على المشروع النظام القانوني المحدد، وأن يستوفي شروط التأسيس والنشاط والموقع والمدة المقررة، مع الالتزام بالقواعد المحاسبية المطلوبة.
كما يضع القانون سقفًا للحافز الاستثماري، بحيث لا يتجاوز 80% من رأس المال المدفوع حتى بدء مزاولة النشاط، وألا تزيد مدة الخصم على سبع سنوات من تاريخ بدء النشاط، وفقًا للأحكام المنظمة.
وبالتالي، فإن نسبة الخصم لا تعني استرداد النسبة نفسها نقدًا من تكلفة المشروع، وإنما تمثل حافزًا ضريبيًا يُطبق وفقًا للقواعد المحددة في القانون.

رابعًا: تسهيلات تأسيس الشركات.. من الإجراءات إلى التشغيل

لا تتوقف استفادة المستثمر عند الحوافز المالية، إذ يمثل تبسيط إجراءات تأسيس الشركات والتعامل مع الجهات الحكومية عنصرًا مهمًا في تحسين مناخ الاستثمار.
وتتولى الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة تقديم خدمات تأسيس الشركات والتراخيص والخدمات المرتبطة بالاستثمار، إلى جانب إتاحة المعلومات المتعلقة بالأنظمة الاستثمارية والحوافز وشروط الاستفادة منها.

ومن أبرز الجوانب التي تساعد أصحاب المشروعات:

• إتاحة إجراءات تأسيس الشركات من خلال القنوات المعتمدة.
• توفير معلومات عن التراخيص والموافقات المطلوبة لكل نشاط.
• إتاحة بيانات الفرص الاستثمارية والقطاعات المستهدفة.
• توفير آليات للتعامل مع المنازعات الاستثمارية في نطاق اختصاص الجهات المعنية.
• توضيح شروط الاستفادة من الحوافز قبل بدء إجراءات الاستثمار.
وتكتسب هذه التسهيلات أهمية خاصة لأصحاب المشروعات الناشئة، الذين قد يواجهون صعوبات في فهم الإجراءات أو تحديد التراخيص المطلوبة قبل بدء النشاط.

خامسًا: هل يستفيد كل مشروع صغير من حوافز قانون الاستثمار؟

ليس بالضرورة؛ فهناك فرق بين الاستفادة من الحوافز العامة المقررة للمشروعات الخاضعة لقانون الاستثمار، وبين استحقاق الحوافز الخاصة المرتبطة بموقع المشروع أو نشاطه أو شروط تأسيسه.
كما أن تعريف المشروع الصغير أو المتوسط وتحديد فئته يخضعان للأطر القانونية المنظمة للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، ومنها القانون رقم 152 لسنة 2020، إلى جانب القواعد الخاصة بالحافز الاستثماري المطلوب.
لذلك، ينبغي لصاحب المشروع التحقق من ثلاثة أمور أساسية:

1. مدى خضوع النشاط لقانون الاستثمار والنظام الذي سيقام المشروع بموجبه.
2. مدى انطباق تعريف المشروع الصغير أو المتوسط عليه وفقًا للتشريعات ذات الصلة.
3. استيفاء شروط الحافز المطلوب، بما يشمل الموقع والتأسيس وبدء النشاط والمستندات اللازمة.
ويمكن الرجوع إلى الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة للاطلاع على الأنظمة والحوافز وشروط الاستفادة منها.

سادسًا: من الحوافز إلى النمو.. ما التحديات التي تواجه المشروعات الصغيرة؟

رغم أهمية الحوافز القانونية، فإن نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة يرتبط بعوامل أخرى، من بينها القدرة على الحصول على التمويل، وتوافر العمالة المدربة، وتكاليف الطاقة والخامات، والوصول إلى الأسواق.
ومن هنا، تتطلب الاستفادة الكاملة من التشريعات الاستثمارية تكامل الحوافز مع برامج التمويل والتدريب والدعم الفني، وتيسير مشاركة المشروعات الصغيرة في سلاسل التوريد، وتشجيع التحول الرقمي والتوسع في التصدير.
كما تبرز أهمية نشر الوعي القانوني بين أصحاب المشروعات، حتى يتمكنوا من التمييز بين الحوافز المتاحة بالفعل، والشروط التي يجب استيفاؤها للحصول عليها، والالتزامات التي تستمر بعد تأسيس المشروع.

قانون الاستثمار يفتح الباب أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة

يوفر قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017، وتعديلاته، إطارًا من الضمانات والتسهيلات والحوافز العامة والخاصة والإضافية التي يمكن أن تدعم نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة، خاصة في الأنشطة الإنتاجية والمناطق المستهدفة بالتنمية.
لكن الاستفادة من هذه المزايا تتطلب التحقق من شروط كل حافز، وطبيعة النشاط، وموقع المشروع، ومدى استيفاء المتطلبات القانونية والمحاسبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى