مقالات وآراء

عصام عياد يكتب: مصر بين المطرقة والسندان: قراءة تحليلية في استحقاقات الأمن القومي والضغوط الإستراتيجية  

كثيراً ما تجد الدولة المصرية نفسها أمام منعطفات تاريخية بالغة الدقة ، تتجسد فيها مقولة ” أنها بين المطرقة والسندان ” في أصعب صورها، ولعل موضوع تقديم دعم عسكري مباشر لحماية العمق السعودي وتأمينه ضد هجمات الحوثيين ، يمثل أحد أبرز هذه الاختبارات الإستراتيجية المعقدة ، فالمسألة هنا لا تتعلق برد فعل تكتيكي عابر، بل بقرار مصيري تتشابك فيه خيوط الأمن القومي، والاستقرار الاقتصادي، ومكانة مصر الإقليمية والدولية.

فتعالَ معي عزيزي القارئ ، نتجاوز ظاهر المشهد لنقرأ ما بين السطور، فندرك بوعيٍ جسامة التحديات التي تواجهنا، ودقة المرحلة الراهنة بأبعادها الإستراتيجية، وما يُحاك في الخفاء لزعزعة استقرار الوطن والنيل من مقدراته .

ولا شك أننا جميعاً اليوم ، في أشد حاجة إلى الوعي التام بطبيعة هذه المرحلة ، التي تفرض علينا أن نقرأ التفاصيل بعقل واعي وبصيرة نافذة ، و حتى تتضح الصورة بجميع جوانبها، سنتناول تفاصيل هذا المشهد المعقد عبر النقاط الآتية :

أولاً: نبض الشارع المصري (بين التأييد والمعارضة) 

ينقسم الشارع المصري حيال هذا الملف الإستراتيجي الحساس ، إلى اتجاهين رئيسيين يعكسان مدى تشابك العاطفة الوطنية مع الحسابات الواقعية :

فريق التأييد: يرى أن الأمن القومي العربي ” لا يتجزأ “، وأن حماية الخليج والعمق السعودي جزء أصيل من أمن مصر القومي الإستراتيجي، مستنداً إلى مبدأ وحدة المصير المشترك وضرورة الوقوف إلى جانب الأشقاء في أوقات الأزمات الكبرى ، إضافة الي المصالح المصرية في باب المندب ومنه الي قناة السويس ، نهايك عن المقدسات الاسلامية التي توجب علي كل مسلم الدفاع عنها .

فريق المعارضة أو التحفظ: ينطلق من مخاوف اقتصادية وإنسانية مشروعة، معتبراً أن الزج بأبناء الوطن في أتون صراعات عسكرية خارجية قد يحمل تبعات بشرية ومادية باهظة ، في توقيت تحتاجه الدولة لتوجيه كافة مواردها نحو التنمية الداخلية وحماية حدودها المباشرة .

ثانياً: ضرورة الدفاع عن المقدسات الإسلامية والفارق الجوهري بين جبهة غزة والعمق السعودي

لا شك أن عقيدة الأمة المصرية راسخة تجاه الدفاع عن المقدسات الإسلامية وحمايتها كخط أحمر لا يمكن التهاون فيه ، ومع ذلك ، هناك فروق جوهرية في طبيعة التحديات والاعتبارات بين الملفات الإقليمية المختلفة:

الملف الفلسطيني وغزة: لم تتوقف مصر ولو للحظة عن دعم الفلسطينين ، والكل يشهد ما قدمته مصر تاريخياً ودائماً ، ولا تزال تقدم الغالي والنفيس من دماء أبنائها ، وقوافل مساعداتها الإنسانية والسياسية والدبلوماسية دفاعاً عن القضية الفلسطينية وأهل غزة ، ضد حرب الإبادة الجماعية ، ويشهد ايضاً الجميع ، الأثر السلبى على مصر جراء تبنيها و التزامها المطلق لتلك القضية و الدفاع عنها ، وما تكبدته مصر عبر التاريخ أثماناً باهظة (بشرياً، وعسكرياً، واقتصادياً) ، إضافة إلى ما تواجهه اليوم من ضغوط إقليمية ودولية هائلة وأعباء أمنية على حدودها الشرقية ومحاولات تصفية القضية على حساب الأمن القومي المصري.

العمق السعودي: يتعلق الأمر هنا بالاعتداءات المباشرة على أراضٍ عربية شقيقة ومقدسات إسلامية (كالحرمين الشريفين والمدن السعودية)، وهو ما يدخل ضمن إطار منظومة الأمن الجماعي الإقليمي والدفاع عن الاستقرار الخليجي الذي ترتبط به مصر برباط وثيق.

ثالثاً: المأزق الإستراتيجي والهدف الخفي لخصوم مصر

يقف صانع القرار المصري أمام معادلة صفرية شديدة التعقيد ، فالاستجابة المطلقة للطلب قد تعني الانخراط في أتون صراعات ممتدة، بينما الامتناع التام يحمل تبعات كارثية ، والقارئ جيداً لهذا المأزق ، يجد انه مصمم بعناية عبر محاور أربعة :

1. خنق الاقتصاد المصري

حيث يمثل الدعم الخليجي شريان حياة للاقتصاد المصري، وربط تقديم الودائع، والاستثمارات، والدعم البترولي بمدى الاستجابة للمطالب العسكرية ، يهدف إلى إحداث هزة معيشية واجتماعية قاسية حال الرفض

2. ضرب التحالف الإسلامي والعربي والبديل الإسرائيلي

فالرفض المصري قد يفسر بتصدع الأمن القومي العربي، مما يدفع الرياض للبحث عن بديل، وهو ما يفتح الباب أمام تقارب وتحالف علني (استخباراتي وعسكري) بين السعودية وإسرائيل، لتقويض الدور القيادي التاريخي لمصر ، ومنه الي التطبيع السعودي مع الكيان ، والاعتراف بالديانة الابراهيمية المزعومة .

3. تفجير الجبهة الداخلية المصرية

فقد سعى المخططون لدق إسفين بين الشعب والقيادة، وإحداث انقسام عمودي حول أولوية حماية الحدود الداخلية مقابل واجب نصرة الحلفاء في الخارج .

4. الإحراج السياسي للقيادة السياسية والرئيس السيسي

فقد حاول البعض وضع القيادة أمام مقارنات شعبوية محرجة : التساؤل حول غياب التحرك العسكري في أزمة سد النهضة، ثم تجاهل التدخل المباشر في إبادة غزة، مقابل تبرير أي تحرك لحماية العمق السعودي، بهدف إفقاد الثقة في معايير صنع القرار .

موقف الاحتلال الإسرائيلي: يترقب الاحتلال هذا المشهد بسعادة بالغة ، طامعاً في استنزاف شامل للدولة المصرية عسكرياً واقتصادياً ومعنوياً، بينما يقف الجميع متفرجون ومهندسون للأزمة من خلف السطور .

رابعاً: حكمة القيادة السياسية المصرية وإدارة الأزمة

تُحسب للقيادة السياسية المصرية إدارتها الرشيدة والمتزنة لهذا الموقف الدقيق بـ حكمة بالغة وبُعد نظر إستراتيجي ، إذ ترفض الانجرار إلى مغامرات غير محسوبة قد تستنزف مقدرات الدولة، وفي الوقت ذاته تحافظ على ثوابت الأمن القومي العربي، وترفض الابتزاز، وتؤكد دائماً أن حماية استقرار الخليج والوطن العربي ، تكون بالحلول السياسية، والتعاون الأمني الشامل، ومنع اتساع دائرة الفوضى ،دون تورط في حروب بالوكالة تهدم ما تبنيه الدولة في الداخل .

خامساً: الحلول والتوصيات ودور الشعب المصري

اعتماد الدبلوماسية الوقائية والردع المشترك: التركيز على الدعم السياسي والدبلوماسي والاستخباراتي والمظلة العربية الجماعية ، في مقابل التقليل من الانخراط المنفرد بقوات قتالية مباشرة .

تنويع الشراكات الاقتصادية: تسريع وتيرة الاعتماد على الذات وتوسيع التحالفات الاقتصادية العالمية ، لتقليل الاعتماد على مصدر تمويل واحد قد يُستغل للضغط .

الشفافية والمصارحة: مكاشفة الشعب دائماً بطبيعة التحديات لسد الباب أمام الشائعات .

دور الشعب المصري:

يظل الرهان الحقيقي في الحفاظ على الدولة هو الوعي والاصطفاف الوطني ، فعلى الشعب المصري إدراك خطورة حروب الجيل الرابع والخامس، وتفويت الفرصة على المتربصين الذين يسعون لإحداث الوقيعة والانقسام الداخلي، والالتفاف الواعي حول مؤسساته الوطنية وقائده لحماية استقرار مصر وريادتها .

وفي الختام، فإن القراءة المتأنية لهذا المشهد المعقد ، تضعنا أمام حقيقة جليّة مفادها أن حماية الأوطان لا تُبنى بالعاطفة المجردة، بل بفقه الأولويات وموازنة المصالح بدقة متناهية، و أن صانع القرار المصري يتحرك وفق رؤية إستراتيجية بعيدة المدى ، تدرك تماماً مآلات الأمور، وتزن المكاسب والخسائر بميزان المصلحة الوطنية العليا أولاً وأخيراً .

لذا، فإننا مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بـ الثقة الكاملة في القيادة السياسية، والتحلي بوعي وطني يقظ يحصن الجبهة الداخلية، والاحتراز التام من الشائعات وحملات التشكيك الممنهجة ، التي تهدف إلى هدم المعنويات ، وإحداث الوقيعة .

وجدير بالذكر، أن التفافنا حول مؤسسات دولتنا وإدراكنا لطبيعة المرحلة بدقة، هو السلاح الأبقى لتعطيل كل مخططات الاستنزاف، ويبقى الوطن ، بوعي أبنائه وصلابة جيشه وحكمة قيادته ، قلعة منيعة تتكسر على جدرانها كل التحديات .

حفظ الله مصر وبلاد المسلمين من كل مكروه وسوء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى