FPC MASR

أخبار محليةمقالات وآراء

د.محمود عبدالغني يكتب: أمم أمثالنا يُباد ميثاقها.. المسخ الكامل للروح البشرية.. مجتمع ينسلخ من إنسانيته ويسقط في فخ الإفساد في الأرض

إن الإنسان لم تُخلق له تلك الحياة وحده، بل يشاركه بها مخلوقات تتسم بفطرة سليمة نقية لم تُلوث على مر الزمن ومنذ نشأة الخلق، بقيت صفاتهم كما هي بينما الإنسان تلون وتنوع ليكون أكثر المخلوقات إفسادًا أبدع في ذلك وحدث ولا حرج، ولقد أخبر سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أنه أقام في هذه الأرض مخلوقات تشارك الإنسان في كثير من الصفات، حيث قال عز من قائل:
“بسم الله الرحمن الرحيم”

“بسم الله الرحمن الرحيم”
{وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون}

(الأنعام:38)
صدق الله العظيم

فما هو المراد بهذه المماثلة بين الإنسان وبين ما بثه الله سبحانه من كائنات ومخلوقات غيره؟

في زمنٍ غامضٍ وموحش، تتبدل فيه ملامح الفطرة السوية، نقف اليوم أمام مرآة الحقيقة التي باتت تعكس وجهًا مشوهًا ومخيفًا لواقعنا، لقد أصبح المجتمع أقبح مما نتصور، وألعن مما نتخيل، مجتمعٌ ينسلخ بعض أفراده تدريجيًا من جِلد الإنسانية ليغرق في مستنقع البلادة والقسوة الموحشة، ويبقى السؤال أين ذهبت تلك اليد الحانية التي كانت تمسح على رأس اليتيم، وتطعم المسكين، وتهتز رعبًا لوجود طائرٍ جريح؟ أين دفنت تلك الرحمة التي نزل بها الوحي لتكون غيثًا للعالمين.

إن مشاعرنا لم تعد تتبلد فحسب، بل إنها تتعفن تحت وطأة التعود على المشاهد الدامية والجرائم اليومية، حتى بات القبح رداءً يرتديه بعض أفراد المجتمع دون خجل، تلتفت حولك فلا تجد إلا وجوهًا صامتة، قلوبًا غلفًا، وألسنةً تبرر البشاعة، وتحريضًا على ارتكاب جريمة في حق الإنسانية ذاتها، نحن لا نعيش مجرد أزمة أخلاقية عابرة، بل نمر بمرحلة مسخٍ كاملة للروح البشرية، حيث جفت الدموع، وصارت القسوة تُسمى “قوة”، والرحمة تُنعت بـ “الضعف”، إنها صرخة وجعٍ نطلقها في فضاءٍ صمّت فيه الآذان، صرخة على أمةٍ تكاد تفقد أثمن ما تملك إنسانيتها.

حين يرضع الأطفال العنف

إن الأخطر مما نعيشه اليوم هو ما نصنعه بأيدينا للمستقبل، انظروا إلى الشوارع، تأملوا منصات التواصل، وراقبوا جيلًا جديدًا ينمو في أحضان القسوة، إننا نرى بأعيننا أجيالًا طالعة يمكن وصفها بأنها “سفّاكة دماء بامتياز”، نعم.. نحن نربي في بيوتنا مشاريع قتلة لا جدل ولا نقاش في ذلك.

والتاريخ، لمن يقرأ التاريخ بتبصر، لا يكذب أبدًا، فكل السير الذاتية للمجرمين العتاة والقتلة المتسلسلين بدأت من نقطة واحدة، طفلٌ اعتاد على تعذيب وقتل حيوانٍ ضعيف وسط ضحكات الأقران أو تجاهل الأهل، إن من يستسهل اليوم إزهاق روح كلبٍ باحثٍ عن لقمة، أو قطةٍ تنشد الدفء، أو أي دابةٍ لا حول لها ولا قوة، إنما يتدرب على الجريمة الكبرى.

تذكّروا هذا الكلام جيدًا بعد 10 أو 15 سنة من الآن:

سيكون أولادكم قتلة لا يؤتمنون على روحٍ خلقها الله، وتلك النزعة الخبيثة من العنف الكامن لن تقف عند حدود حيوانٍ مستضعف، بل ستمتد لتشمل الإنسان.. لتشمل الأخ، والصديق، والجار، بل والأب والأم.

في ميزان السماء: لعنة الإفساد في الأرض

حينما تنزع الرحمة من القلوب، يحل غضب الله، إن التهاون في تعذيب خلق الله وإزهاق أرواحهم دون حق هو عين الإفساد في الأرض، لقد جاء القرآن الكريم شريعةً للرحمة، تنهى عن البغي والعدوان والمشي في الأرض مرحًا وعلوًا بالباطل، يقول الله تعالى محذرًا من مغبة الظلم والإفساد:

بسم الله الرحمن الرحيم
|{“وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ”}}
[سورة البقرة: 205]

ويا ويله من كُتب عند الله مفسدًا في الأرض، إن الآباء والأمهات الذين يروْن أولادهم يؤذون الكائنات الحية ويلتزمون الصمت، هم شركاء في الجريمة، يقول الله جل وعلا:

بسم الله الرحمن الرحيم
{“فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ”}}
[سورة محمد: 22-23]

إن السكوت عن رعيّةٍ تنشأ على الغل والقسوة سيجعلكم وذرياتكم ممن كُتبت عليهم لعنة الإفساد، وممن حُرِموا من رحمة الله التي وسعت كل شيء.

غيبوبة الإعلام

بينما تنذر هذه الظاهرة بخطرٍ داهمٍ يهدد الإنسانية بأكملها داخل الدولة، نجد إعلامًا متخلفًا غارقًا في السطحية والتفاهة، “عمال يهبد” ويلهث خلف نسب المشاهدات والتريندات الرخيصة، تاركًا الأزمات الحقيقية التي تنخر في عظام المجتمع، يسلطون الضوء على القشور، ويتجاهلون قنابل موقوتة تمشي على قدمين في الشوارع، أطفال وشباب تشربوا العنف من الألعاب الإلكترونية، والسينما الهابطة والدراما المبتذلة.

طوق النجاة: علموا أولادكم الرحمة

إن لم يتم احتواء هذا السعار السلوكي حالًا، سيتحول الأمر إلى كارثة حقيقية وشيكة لا نجاة منها للجميع، وسيدفع المجتمع بأكمله ثمن هذه الدماء المسفوكة ظلمًا.

علموا أولادكم الرحمة.. اجعلوهم يدًا رحيمة تلطف وتعطف على خلق الله الضعيف، علموهم أن الروح مِلكٌ لخالقها، وأن الدابة العجماء تشتكي لبارئها ظلم البشر، ازرعوا في نفوسهم أن “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ”، لتكونوا حصنًا وملاذًا، لا معول هدمٍ وإفساد في هذا الكون المكلوم، ادركوا أولادكم قبل أن يستيقظ الوحش في نفوسهم، فلا تجدون حينها سوى الندم.

Dr.Mahmoud Abdelghani

د/محمود عبدالغني: كاتب صحفي ومدير تحرير، حاصل على الدكتوراة في الصحافة والإعلام الرقمي.. خبير في الملفات الأمنية والتحقيقات، ومطور منصات رقمية " لخدمة المحتوى الإخباري، عمل في كلا من "البوابة نيوز" و"الشورى"، مدير تحرير موقع إخباري سابقًا، ويركز حالياً على قيادة المشهد الإعلامي الرقمي برؤية تجمع بين الخبرة المهنية والتطور التكنولوجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى