طعام الإنسان ومآكل الأنعام «د/محمود عبدالغني يكتب»: غبار الطين.. ونور اليقين

طعام الإنسان ومآكل الأنعام «د/محمود عبدالغني يكتب»: غبار الطين.. ونور اليقين
طعام الإنسان ومآكل الأنعام «د/محمود عبدالغني يكتب»: غبار الطين.. ونور اليقين

غبار الطين.. ونور اليقين هي حقيقة صارخة في وجه الإنسان ولن اناقش في مقالي هذا علاجًا ولا طبًا ولا دواءًا معبئًا داخل كبسولات تُصرف للمرضى فعلى من مِرض أن يتبع دواءه وأن يُكمل ما وصفه له الطبيب وليس بدوري أن أناقش أي ما يتعلق بالطلب فأهل الطب لهم اختصاصاتهم الأمر هنا ليس طبيًا للعلاج، وإنما هو روحيًا دينيًا تأملًا في أحكام الخالق ورسائله..

غبار الطين.. ونور اليقين .. طعام الإنسان ومآكل الأنعام

وحين تتأمل في زاوية باردة من هذا العالم المادي الموحش، رجل كان يمسك بيده اليمنى سماعة الطبيب، وباليسرى مصحفاً يقطر نوراً، وهو الدكتور ضياء العوضي، تاركاً خلفه فراغاً يشبه صمت القبور بعد جلبة الحياة، رجلٌ لم يرضَ بـ “الطب” مجرداً من روحه، بل خاض معركة شرسة، ينافس فيها عمالقة العلم، ليثبت أن الشفاء ليس في الصيدليات وحدها فحسب، بل في النواميس التي أودعها الخالق في النبتة، والقطرة، والقمحة..

صرخة الطين.. واختيارات البشر

تأملوا معي هذا المشهد الدرامي الحزين: موسى “عليه السلام” يقف أمام قومه، وهم يضجون بالشكوى، يملأهم الطمع والملل من المنّ والسلوى (طعام السماء الصافي)، فيصرخون في وجهه:

“ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا”

لقد اختاروا “الأدنى”..! اختاروا طعام الأرض الثقيل، طعام العبودية والكد، تاركين طعام الحرية والنقاء، وهنا تكمن العبرة الصادمة التي كان العوضي يطرق عليها بمطرقة العلم: “إن الإنسان بجهله غالباً ما يختار لنفسه ما يؤذيه، تاركاً النقاء الذي رسمه الله له..

كم هو مؤلم أن نرى البشرية اليوم، في أوج تقدمها الطبي، تموت تخمةً وسقماً لأنها استبدلت طيبات الله بالسموم المصنعة، واشترت “الأدنى” بـ “الخير”!..


لمسة تأمل ساحرة: السيناريو الإلهي للقمة

قف معي، وتأمل هذا المقطع القرآني المهيب الذي كان يهز وجدان العوضي:

“فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ”

هل فكرت يوماً في “العنفوان الكوني” الذي يحدث من أجل لقمة تأكلها وأنت لاهٍ؟ ما هذا التأمل الذي إذا أيقنته فقد شُفيت من عبث الطعام الذي يفتك بك وبصحتك دون أن تفرق ما بين ما أنزله الله من طعامًا للإنسان وبين آخر للأنعام ؟!..

تصب السماء ماءها صبًا في مشهد درامي عنيف، تتجمع الغيوم، وتضرب الصواعق، وينزل الماء كأنه جيش يقتحم الفراغ و الأرض تشق شقا: الأرض الصخرية القاسية، تتفتق رغماً عن قسوتها، تتشقق وتتوجع لتخرج من رحمها المظلم حبة خضراء ضعيفة..

كل هذا الموت والحياة، كل هذا الهدم والبناء، كل هذا الصراع الكوني بين السحاب والصخر، يحدث لأجلك أنت! “مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ”.. لقد قسّم الله الوجود في سورة المائدة وغيرها، حدد بدقة متناهية ما ينفع جسدك وما ينفع أنعامك..

جعل الأرض بساطاً مشتركاً، لكنه مفرز بحكمة طبية غاية في التعقيد.. الأنعام تأكل “القضب” (الحشيش والمرعى، البقوليات)، وأنت تأكل الثمر والحب دورة بيولوجية معجزة تؤمن لصحتك الاستمرار، دون أن يطغى جنس على جنس..


هل تأملت ودبرت يومًا أن “البرسيم” خُضرة الأنعام التي يأكولنها والتي أودعها الله في الأرض نبتةً لهم من القضب؟ والقضب هو البقوليات هل الآن فهمت؟.. يبدو أن الرسالة قد وصلت..

الحزن الحقيقي ليس في موت الدكتور العوضي كجسد، فكلنا إلى تراب.. الحزن يكمن في موت “الدهشة” من بعده.. في أننا ننظر إلى طعامنا اليوم فلا نرى فيه إلا سعرات حرارية أو متعة عابرة، بينما كان هو يرى فيه “توقيع الخالق”..

لقد رحل الذي كان يقرأ الروشتة الطبية من فوق منبر الإعجاز رحل وبقيت الأرض تشق، والسماء تصب، لكن العيون عميت عن النظر فهل من مذكر؟ وهل من طبيب يعيد للطب روحه، وللإنسان وعيه بطعامه قبل أن يقتله طعامه؟..

رحم الله عبداً عاش يتأمل، ومات وهو يحاول أن يداوي عمى البصيرة قبل مرض البدن..

فلينظر الإنسان إلى طعامه..

هل طبق الإنسان قول الحق حين أوصانا أن ننظر إلى طعامنا ؟.. هل نظر الإنسان حقًا إلى طعامه ؟ هل تساءل يومًا عن مدخلاته؟ أم وقف أمام موروث وعادات تورث أمراض؟..

“نقطة”.