ذكرى رحيل طه حسين.. رحلة التنوير من الظلام إلى قمة الأدب
تحل اليوم الأربعاء ذكرى رحيل الأديب والمفكر الكبير طه حسين، الملقب بعميد الأدب العربي، الذي ترك بصمة بارزة في تاريخ الثقافة المصرية والعربية، وأسهمت أفكاره ومؤلفاته في ترسيخ قيم التنوير والحرية الفكرية، ليظل أحد أبرز رموز الأدب والفكر في مصر.

طه حسين.. من كُتّاب القرية إلى الجامعة
وُلد طه حسين عام 1889 في عزبة الكيلو بمحافظة المنيا، وفقد بصره في سن الرابعة إثر إصابته بالرمد، لكنه لم يستسلم لظروفه، وبدأ رحلته التعليمية في كُتّاب القرية، حيث أظهر ذكاءً لافتًا وذاكرة قوية ساعدتاه على حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ اللغة والحساب.
واصل تعليمه في الأزهر، ثم التحق بالجامعة المصرية عام 1908، ليصبح من أوائل طلابها، وحصل على الدكتوراه عام 1914 عن دراسته «ذكرى أبي العلاء». وأثارت أفكاره ومناهجه البحثية جدلًا واسعًا، قبل أن يُوفد إلى فرنسا لاستكمال دراسته، حيث أعد أطروحته الثانية عن الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون، ودرس القانون الروماني.
سوزان بريسو.. رفيقة رحلة العلم
كان لزواج طه حسين من الفرنسية سوزان بريسو دور مهم في حياته العلمية والأدبية، إذ وقفت إلى جانبه وساندته في رحلته، وساعدته في القراءة والاطلاع، لتصبح شريكة أساسية في مسيرته. ورُزق الزوجان بطفلين هما أمينة ومؤنس.
من أستاذ جامعي إلى وزير للمعارف
تدرج طه حسين في عدد من المناصب الأكاديمية، فعمل أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني بالجامعة المصرية، ثم أستاذًا لتاريخ الأدب العربي بكلية الآداب، وتولى عمادة الكلية. وفي عام 1942، عُين مستشارًا لوزير المعارف، ثم تولى إدارة جامعة الإسكندرية.
وفي عام 1950، تولى وزارة المعارف، ودافع عن حق المصريين في التعليم، وارتبط اسمه بالدعوة إلى مجانية التعليم وإلزاميته، انطلاقًا من إيمانه بأن التعليم حق للجميع وليس امتيازًا لفئة بعينها. كما أسهم في دعم الحياة الثقافية والأكاديمية، وتولى لاحقًا رئاسة تحرير جريدة الجمهورية.
مؤلفات صنعت مكانته في الأدب العربي
ترك طه حسين مكتبة ثرية من المؤلفات والدراسات التي ناقشت قضايا الأدب والتاريخ والثقافة، وتميزت كتاباته بالدعوة إلى إعمال العقل ومراجعة الأفكار السائدة والانفتاح على الثقافات المختلفة، مع الاهتمام بالتراث العربي والمصري.
ومن أبرز أعماله كتاب «في الأدب الجاهلي»، الذي أثار جدلًا واسعًا عند صدوره، وكتاب «مستقبل الثقافة في مصر»، الذي طرح فيه رؤيته لتطوير التعليم والثقافة، إلى جانب كتاب «الأيام»، الذي وثق فيه جانبًا من سيرته الذاتية، ورصد رحلته من الطفولة إلى عالم المعرفة.
ورغم ما واجهه من انتقادات ومعارك فكرية وقضائية بسبب بعض آرائه، ظل طه حسين نموذجًا للمثقف الذي دافع عن حرية التفكير والتجديد، حتى رحل في 28 أكتوبر 1973، تاركًا إرثًا أدبيًا وفكريًا لا يزال حاضرًا في الوجدان الثقافي العربي.



