صناعة التضليل.. كيف تعيد منصات الإخوان تدوير الشائعات القديمة لاستهداف مؤسسات الدولة؟
صناعه التضليل تعيد منصات الاخوان لاستهداف مؤسسه الدوله
في العصر الرقمي الحديث، لم تعد الحروب تُخاض فقط بالأسلحة التقليدية، بل أصبحت “حروب الوعي” وصناعة الرأي العام هي الميدان الأساسي للصراع. تشكل الشائعات والأخبار الزائفة العمود الفقري لكتائب التضليل الإلكتروني، وتحديداً تلك التي تديرها وتوجهها لجان الجماعات المتطرفة مثل تنظيم الإخوان.
ولا تقتصر هذه الحرب على اختلاق أكاذيب جديدة كلياً، بل تعتمد بشكل مكثف على “إعادة تدوير” شائعات وقصص قديمة تم دحضها سابقاً، وإعادة إحياءها بأثواب وقوالب بصريّة ورقمية حديثة. وهدفها الأسمى ليس نقل الحقيقة، بل إحداث حالة من التشويش المستمر، وهدم الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
استراتيجية “إعادة التدوير”: لماذا تُستعاد الشائعات القديمة؟
تعتمد غرف العمليات الإعلامية الموجهة ضد الدولة على تقنية التدوير المتكرر للمحتوى القديم لأسباب استراتيجية بحتة:
تآكل الذاكرة الرقمية للجمهور: تراهن هذه المنصات على مرور الوقت ونسيان التفاصيل الدقيقة من قبل المتابع العادي، مما يسهل تقديم نفس الكذبة القديمة كأنها حدث جلل وجديد.
توفير الجهد والسرعة في الأزمات: إعادة نشر مقاطع فيديو قديمة منزوعة السياق أو صور مركبة توفر على لجان التضليل وقتاً طولياً في تأليف سيناريوهات جديدة، وتسمح بالاستجابة الفورية لأي حدث سياسي أو اقتصادي.
خلق شعور بالتكرار والإحباط: الهدف هو إرسال رسالة نفسية مفادها أن المشاكل الأزمات دائمة ولا تتغير، مما يولّد شعوراً باليأس والإحباط العام تجاه جهود التنمية والاستقرار.
هندسة الفبركة: الأدوات والأساليب التقنية المستخدمة
لا تسير صناعة الشائعات بشكل عشوائي، بل تخضع لهندسة دقيقة تعتمد على تقنيات إعلامية متطورة:
نزع السياق (Out of Context): يتم أخذ مقطع فيديو لحدث وقع في دولة أخرى منذ سنوات، أو تصريح قديم لمسؤول جرى تغييره، ولصقه بالواقع الحالي لإيهام الجمهور بوجود أزمة معاصرة.
التلاعب البصري والذكاء الاصطناعي: استخدام برامج تعديل الصور والفيديوهات لتركيب تصريحات وهمية على ألسنة مسؤولين بارزين، أو تضخيم مشاهد معينة بشكل بصري يخدم هدف إثارة الرأي العام.
كتائب اللجان الإلكترونية (Bots & Trolls): توظيف شبكات من الحسابات الوهمية لتضخيم الوسوم (Hashtags) التحريضية وإيصالها إلى قائمة الأكثر بحثاً، مما يمنح الشائعة حجماً جماهيرياً زائفاً يوحي بأنها قضية رأي عام كبرى.

الأهداف المنهجية: لماذا تُستهدف مؤسسات الدولة بالتحديد؟
إن استهداف المؤسسات الكبرى في الدولة (مثل المؤسسات العسكرية، الأمنية، القضائية، والاقتصادية) ليس عبثياً، بل يخدم أجندة محددة بدقة:
ضرب الثقة العامة: إضعاف رابطة الثقة والترابط بين المواطن ومؤسساته الوطنية، لكي يفقد المواطن شعوره بالأمان والاستقرار.
عرقلة مسار التنمية: تشويه المشروعات القومية والإنجازات الاقتصادية عبر التركيز على السلبيات الوهمية، أو التقليل من حجم الإنجازات الحقيقية وصAياغتها في قوالب سلبية.
خدمة الأجندات الخارجية: خلق حالة من البلبلة الداخلية تخدم مصالح أطراف إقليمية ودولية تسعى لزعزعة استقرار المنطقة والتدخل في شؤونها.
آليات المواجهة واليقظة الوطنية
في مواجهة هذه الحرب السيبرانية الممنهجة، أصبح الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول:
التحقق والتدقيق (Fact-Checking): الاعتماد على المصادر الرسمية والمنصات الوطنية المعتمدة للتحقق من أي أخبار متداولة قبل إعادة نشرها.
تفكيك الشائعة وإظهار الأدلة: قيام المؤسسات المعنية بالرد السريع الموثق بالأرقام والمستندات لكشف زيف الأكاذيب في مهلها.
تعزيز التثقيف الرقمي: رفع وعي المواطنين بطرق رصد الأخبار المفبركة، وعدم الانسياق خلف العناوين الرنّانة والمثيرة التي تهدف للفرقعة الإعلامية.
في الختام، تظل “صناعة التضليل” ورقة الرهان الأخيرة لمنصات الجماعات المتطرفة بعد أن سقطت مشاريعهم السياسية على الأرض. إن إعادة تدوير الشائعات القديمة واستهداف مؤسسات الدولة هما وجهان لعملة واحدة تهدف إلى هدم الوعي الجمعي.
ولكن، مع تنامي الوعي المجتمعي ويقظة المواطنين في كشف هذه الألاعيب الرقمية، تفقد هذه الحملات المغرضة تأثيرها تدريجياً، لتظل المؤسسات الوطنية صامدة في وجه حروب الجيل الرابع والخامس الموجهة ضد استقرار الأوطان.



