تعد محافظة المنيا من المحافظات التي بدأ تاريخها من الدولة القديمة حتى الدولة الحديثة، ولديها طبيعة خاصة ممتدة للأجيال القادمة، وتوجد في كل مركز من مراكزها التسع تاريخ وحكاية، فمن الجنوب تجد مركز ديرمواس الذي يضم منطقة تل العمارنة التي انطلقت منها أول دعوة للتوحيد. وفي الوسط تجد مركز أبو قرقاص الذي استقبل عنتر بن شداد بحصانه، كما ذكر المؤرخون، وفي الشمال تجد مركز مغاغة ذلك المركز العريق، الذي يحتضن تاريخًا يمتد من العصور الفرعونية القديمة وحتى العصر الحديث، ويجمع بين التاريخ الإسلامي والقبطي، أحدهما يروي تاريخ فن العمارة الفاطمي والثاني حظي باستقبال العائلة المقدسة في رحلة الهروب.
وتوزعت هذه الأماكن بين قرى المركز، ومنها شارونة والشيخ زياد ودير الجرنوس، فمع التجول بين هذه القرى، تجد التاريخ حاضرًا في كل تفاصيلها، ليروي حكايات «عروس الصعيد»، تلك المحافظة التي تحتضن نحو ثلث آثار مصر بمختلف مراكزها، وتكشف عن روائع الفن المعماري الذي لا يزال يبهر العالم حتى اليوم.
المنيا.. قرية الشيخ زياد بمغاغة
يقع مركز مغاغة على بعد 67 كيلومترًا شمال مدينة المنيا، ويضم عددًا من القرى والمناطق التي تحمل بين طياتها تاريخًا عريقًا، وتأتي قرية الشيخ زياد، التي تقع على طريق مصر أسوان السريع، لتحتضن واحدًا من أبرز المساجد التاريخية بمحافظة المنيا، وهو مسجد الأمير زياد بن المغيرة، الذي يعود إلى العصر الفاطمي، ويقع بقرية الشيخ زياد، ليظل المسجد شاهدًا على تاريخ القرية ومكانتها بين قرى المحافظة.
قرية دير الجرنوس
قرية دير الجرنوس بمركز مغاغة، من القرى التي لها رصد كبير لدى أبناء المحافظة، وتضم تلك القرية إحدى أقدم الكنائس من القرن الـ19، ويوجد بداخلها بئر عميقة يُحكى أن العائلة المقدسة شربت منها خلال رحلة الهروب إلى مصر، ويأتي إليها المئات من أهالي المنيا والمحافظات المجاورة، وتشهد المنطقة احتفالات مولد السيدة العذراء، التي تمتد على مدار أسبوع كامل، تستقبل خلاله الكنيسة أعدادًا كبيرة من الزائرين، في أجواء روحانية ومشهد مهيب يتجدد كل عام.

وقال عايد يوسف خليل، ابن قرية دير الجرنوس، إن القرية بمركز مغاغة تعد إحدى محطات العائلة المقدسة، التي مكثت بها نحو 4 أيام، ويُقال إنها شربت من بئر أثري موجود بجوار الحائط الغربي للكنيسة.
وأضاف أن القرية تقع غرب مدينة مغاغة بنحو 20 كيلومترًا، وتُعرف تاريخيًا باسم «أباي إيسوس» أي بيت يسوع، مشيرًا إلى أن الكنيسة القديمة شُيدت في هذا المكان، ثم شهدت عددًا من التوسعات على مر السنوات، كما تضم متحفًا لشهداء دير الجرنوس، وذلك على طريق دير الأنبا صموئيل.
قرية شارونة
تروي قرية شارونة بمركز مغاغة جانبًا مهمًا من تاريخ مصر القديم، حيث تضم منطقة آثار شارونة الواقعة شرق نهر النيل، والتي تضم أطلال المدينة القديمة المعروفة باسم «حات نسوت». وتحتوي المنطقة على عدد من المقابر التي ترجع إلى عصر الدولة القديمة، من أبرزها مقبرة الكاهن «بيبي عنخ»، إلى جانب مقبرة منحوتة في الصخر تعود إلى العصر البطلمي.
كما يضم مركز مغاغة أيضًا معبدًا صغيرًا بناه بطليموس الأول خلال العصر البطلمي، ليبقى شاهدًا على تعاقب الحضارات التي مرت على هذه المنطقة التاريخية.
عزبة الكيلو.. مسقط رأس طه حسين
ويضم مركز مغاغة أيضًا عزبة الكيلو، التي وُلد فيها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والذي خلد اسم هذه العزبة في تاريخ الأدب العربي، لتظل واحدة من الأماكن التي ارتبط اسمها بشخصية أدبية تركت أثرًا كبيرًا في الحياة الثقافية المصرية والعربية.
قرية القاياتي ومعالمها
ولا يفصل بين مركز مغاغة ومركز العدوة، شمال محافظة المنيا، سوى بضعة كيلومترات، إذ يجاور مركز مغاغة مركز العدوة على الطريق الصحراوي الغربي، ويقع مركز العدوة على بعد نحو 70 كيلومترًا من مدينة المنيا.
ويضم مركز العدوة عددًا من المعالم التاريخية والأثرية، من أبرزها مسجد القاياتي، الذي يقع على بعد نحو 8 كيلومترات غرب العدوة، وينسب إلى عبد اللطيف بن عبد الجواد القاياتي، الذي يمتد نسبه إلى الصحابي الجليل أبي هريرة، ويعد المسجد من أروع نماذج العمارة الإسلامية في العصر العثماني، ويرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1258هـ، بما يضمه من رسوم وزخارف مميزة.
كما يضم دير الأنبا صموائيل، الذي يحتوي على كنيسة أثرية يرجع تاريخها إلى القرن السابع الميلادي، لتظل شاهدة على عراقة المنطقة وتنوع تراثها الديني والتاريخي.
ويظل مركز مغاغة وما يجاوره في شمال المنيا شاهدًا حيًا على تعاقب الحضارات والأديان عبر آلاف السنين، بين آثار فرعونية ومساجد إسلامية وكنائس وأديرة قبطية، لتتحول القرى إلى صفحات مفتوحة من التاريخ. وبين شارونة والشيخ زياد ودير الجرنوس والعدوة، تتنوع الحكايات والمعالم التي تمنح «عروس الصعيد» ثراءً تاريخيًا وحضاريًا، عريقًا يمتد من العصور الفرعونية القديمة وحتى العصر الحديث، ويجعلها واحدة من أبرز المناطق التي تجمع بين عبق الماضي وروح الحاضر.



