نهر القيامة ينذر العالم.. 11.3 تريليون طن من الجليد تختفي من القطبين
نهر القيامة ينذر العالم.. طن من الجليد تختفي من القطبين
نهر القيامة “ثويتس” في أقصى جنوب الأرض، بعيدًا عن المدن والسواحل، تتشكل واحدة من أبرز القضايا التي يراقبها علماء المناخ حول العالم. هناك، في غرب القارة القطبية الجنوبية، يتحرك نهر ثويتس الجليدي ببطء نحو البحر، حاملًا كميات هائلة من الجليد والمياه، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار تراجعه إلى زيادة الضغوط على مستوى سطح البحر مستقبلًا.
وحصل ثويتس على لقب «نهر القيامة» بسبب موقعه الحساس داخل الغطاء الجليدي لغرب أنتاركتيكا، ودوره في التأثير على استقرار المنطقة، بينما تكشف البيانات الحديثة عن حجم أكبر للخسارة الجليدية التي شهدها القطبان خلال العقود الماضية.

نهر القيامة..ثويتس كتلة جليدية بحجم دول
لا يمثل نهر ثويتس مجرد كتلة من الجليد تتحرك ببطء باتجاه المحيط، بل يعد من المناطق المهمة لفهم مستقبل الغطاء الجليدي في غرب أنتاركتيكا.
وتبلغ مساحة ثويتس نحو 192 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة تقارب مساحة بريطانيا أو ولاية فلوريدا، كما يجعله موقعه عرضة لتأثيرات التغيرات التي تحدث في المحيط والغلاف الجوي.
وتزداد حساسية النهر الجليدي بسبب الجليد المحيط به، والذي يعمل بصورة جزئية كحاجز يحد من تدفق الجليد الموجود داخل القارة نحو البحر. ومع استمرار التراجع وفقدان هذا الدعم، يمكن أن تتغير سرعة حركة الجليد باتجاه المحيط.
65 سنتيمترًا.. ماذا يحدث إذا انهار ثويتس؟
تنبع شهرة ثويتس من كمية الجليد الضخمة التي يحتفظ بها، إذ إن انهياره الكامل يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر عالميًا بنحو 65 سنتيمترًا.
لكن هذا الرقم لا يعني أن مستوى البحار سيرتفع بهذا المقدار خلال فترة قصيرة، أو أن انهيارًا مفاجئًا سيحدث خلال السنوات المقبلة، وإنما يعبر عن التأثير المحتمل على مدى زمني طويل، ويكشف في الوقت نفسه عن حجم المياه المخزنة داخل النهر الجليدي.
ويفقد ثويتس الجليد بالفعل، كما شهد تراجعه تسارعًا ملحوظًا خلال العقود الأربعة الماضية. وتشير الأبحاث الدولية الخاصة به إلى أن الانهيار الكامل خلال العقود المقبلة غير مرجح، إلا أن التراجع يمكن أن يستمر بمعدلات متزايدة خلال القرنين الحادي والعشرين والثاني والعشرين، بينما يبقى مستقبل الغطاء الجليدي لغرب أنتاركتيكا على المدى البعيد موضع دراسة ومتابعة.
الخطر يأتي من السماء والبحر
لا يرتبط تراجع الجليد بتغيرات المحيط وحدها، فالغلاف الجوي يمكنه أيضًا نقل الحرارة والرطوبة إلى القارة المتجمدة عبر ظاهرة تعرف باسم «الأنهار الجوية»، وهي ممرات طويلة وضيقة من بخار المياه تنتقل لمسافات شاسعة.
وكان أحد هذه الأنهار الجوية عاملًا رئيسيًا في موجة الحرارة القياسية التي ضربت شرق أنتاركتيكا في مارس 2022، عندما شهدت مناطق واسعة من القارة ارتفاعات استثنائية في درجات الحرارة مقارنة بالمعدلات المعتادة.
وتؤثر الحرارة والرطوبة والغيوم في ميزان الطاقة فوق القارة، بينما يستطيع المحيط الأكثر دفئًا التأثير في الأجزاء العائمة من الأنهار الجليدية من أسفلها.
وبذلك تتعرض المنظومة الجليدية لضغوط من اتجاهين؛ الغلاف الجوي من الأعلى والمياه المحيطية من الأسفل، في وقت تتحرك فيه كتل جليدية هائلة تحمل بداخلها كميات ضخمة من المياه.
الجليد قد يستمر في التراجع
أضافت دراسة نُشرت في يوليو 2026 بعدًا جديدًا إلى فهم العلماء لسلوك ثويتس، بعدما أشارت إلى إمكانية استمرار فقدان الجليد لنحو 150 عامًا حتى في سيناريو افتراضي يتم فيه إيقاف ذوبان المحيط بالكامل، مع تراجع معدل فقدان الجليد تدريجيًا.
وتوضح هذه النتيجة أن النظام الجليدي لا يتفاعل بصورة فورية مع تغير عامل واحد، إذ يمكن أن تستمر آثار التغيرات السابقة في التأثير على حركة الجليد وتوازنه لفترات طويلة.
كما كشفت أبحاث سابقة عن قدرة المياه الدافئة القادمة من بحر أموندسن على الوصول إلى المناطق الواقعة أسفل الجرف الجليدي العائم، بينما أظهرت بعثات علمية وجود قنوات عميقة يمكن أن تساعد المياه المحيطية على الوصول إلى مناطق حساسة بالقرب من خط ارتكاز الجليد.
11.3 تريليون طن.. خسارة القطبين
ولا تتوقف القصة عند نهر ثويتس وحده، إذ كشفت دراسة واسعة اعتمدت على بيانات 27 مهمة فضائية أن جرينلاند وأنتاركتيكا فقدتا معًا نحو 11.3 تريليون طن من الجليد خلال الفترة من 1979 إلى 2023.
وساهم هذا الفقد في ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا بنحو 3.14 سنتيمتر، فيما تسارع معدل فقدان الجليد بصورة واضحة منذ تسعينيات القرن الماضي.
وأشارت الدراسة إلى أن نحو 84% من خسارة الجليد جاءت نتيجة تسارع تدفق الأنهار الجليدية باتجاه المحيط، وليس فقط بسبب ذوبان الجليد على السطح.
ويرتبط هذا الارتفاع في مستوى البحر أيضًا بزيادة عدد الأشخاص المعرضين لخطر الفيضانات الساحلية السنوية، حيث قدرت نتائج الدراسة أن نحو 6 إلى 9 ملايين شخص إضافي أصبحوا معرضين لهذا الخطر نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر المرتبط بفقدان الجليد.
الخطر لا يحدث بين ليلة وضحاها
ورغم الأرقام الكبيرة، لا تشير الدراسات إلى أن نهر ثويتس على وشك الانهيار الكامل خلال سنوات قليلة، فالمخاوف العلمية ترتبط بصورة أكبر بالتغيرات المتراكمة التي يمكن أن تمتد آثارها لعقود أو قرون.
فالجليد الذي يفقده النظام القطبي لا يعود بسهولة، كما أن التراجع في منطقة حساسة يمكن أن يؤثر على حركة الجليد وتوازنه لفترات طويلة. ومع استمرار ارتفاع حرارة المحيط والغلاف الجوي، قد تواجه أجزاء أكبر من النظام الجليدي ضغوطًا متزايدة.
كما أن ثويتس لا يمثل النظام الجليدي بأكمله، إذ يحتوي الغطاء الجليدي لغرب أنتاركتيكا على كميات هائلة من الجليد، وبالتالي فإن تطور الخسائر الحالية إلى انهيار واسع النطاق سيكون له تأثير أكبر بكثير من تأثير نهر جليدي واحد.
ثويتس.. إنذار يمتد إلى سواحل العالم
لا تبقى تداعيات ما يحدث في أنتاركتيكا داخل القارة المتجمدة، فكل كمية من الجليد تصل إلى المحيط تضيف مياهًا إلى منظومة البحار، ومع استمرار ارتفاع مستوى سطح البحر تزداد المخاطر المحتملة أمام المدن الساحلية والموانئ والبنية التحتية والشواطئ.
ويكشف نهر ثويتس أن التغير المناخي قد لا يظهر دائمًا في صورة حدث مفاجئ، وإنما يمكن أن يتحرك ببطء شديد، ثم تتراكم آثاره مع مرور الوقت. وبين المحيطات الدافئة والأنهار الجوية وموجات الحرارة الاستثنائية، يواصل العلماء مراقبة النهر الجليدي لفهم المسار الذي يمكن أن تسلكه هذه المنظومة خلال العقود والقرون المقبلة.
يبقى «نهر القيامة» واحدًا من أبرز المؤشرات التي تساعد العلماء على قراءة مستقبل الجليد والبحار، ليس لأنه على وشك الانهيار غدًا، وإنما لأن التغيرات التي تحدث حوله تكشف حجم التحولات التي يشهدها النظام القطبي. ومع فقدان القطبين تريليونات الأطنان من الجليد، تتحول أنتاركتيكا من منطقة بعيدة لا يراها معظم العالم إلى عامل يمكن أن تمتد آثاره تدريجيًا إلى سواحل ومجتمعات في مختلف أنحاء الكوكب.



