هل تحل الحكومة الجمعية الأهلية؟.. القانون يحسم الجدل

تعد الجمعيات الأهلية ركيزة أساسية من ركائز العمل التنموي والمجتمعي في مصر، ومع صدور القانون رقم 149 لسنة 2019 بشأن تنظيم العمل الأهلي، شهدت هذه الكيانات انفراجة تشريعية واضحة عكستها تيسيرات التأسيس بالإخطار بدلاً من التصريح، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية. ورغم هذه المكتسبات التي منحت المؤسسات الأهلية مساحات أوسع للحركة، يظل السؤال الأبرز الذي يتردد في أروقة العمل التطوعي: متى تمتد يد الإدارة لتوقف نشاط الجمعية أو تطالب بحلها؟ وهل تملك الحكومة حق الإغلاق الفوري بقرار إداري منفرد؟ القانون المصري وضع حدوداً فاصلة تنظم هذه العلاقة، محاطة بضمانات قضائية صارمة تحمي الكيانات الأهلية من التعسف، وتضمن في الوقت ذاته التزامها بالقانون والمصلحة العامة.
تأسيس الجمعيات.. بالإخطار لا التصريح
حرص المشرّع في قانون العمل الأهلي الجديد على إرساء قواعد جديدة تسهل إجراءات التأسيس وتلغي القيود القديمة، إذ أصبح إنشاء الجمعيات والمؤسسات الأهلية يعتمد على “الإخطار” لا التصريح المسبق، مما يعزز روح المبادرة المجتمعية. كما أجاز القانون للجمعيات فتح فروع داخل مصر وخارجها وفق ضوابط محددة، وإنشاء دور رعاية للفئات الخاصة كالأطفال والمسنين بموافقات الجهات المعنية. ولم يغفل القانون البعد الإنساني والدولي، فأتاح للأجانب المقيمين في مصر الانضمام لعضوية الجمعيات بنسبة تصل إلى 25%، فضلاً عن السماح للجاليات الأجنبية بإنشاء جمعيات خاصة بشرط المعاملة بالمثل، وصولاً إلى إمكانية إطلاق مبادرات وحملات تنموية بترخيص من الوزير المختص.
ضوابط مؤقتة ومهلة قانونية
لا تملك الجهة الإدارية حق إنهاء حياة أي جمعية أهليّة بقرار إداري محض، لكن القانون أجاز للوزير المختص إصدار قرار مؤقت بوقف نشاط الجمعية لمدة لا تتجاوز سنة كاملة في حالات محددة؛ أبرزها وجود مخالفات ببيانات التأسيس، أو ممارسة أنشطة خارج النطاق الوارد في النظام الأساسي، أو ارتكاب مخالفات ترتبط بقانون العقوبات. وهنا وضع القانون قيداً صارماً يمنع تعسف الإدارة، حيث ينتهي الأثر القانوني لقرار الوقف تماماً إذا لم تتقدم الجهة الإدارية للمحكمة المختصة لتأييد القرار خلال سبعة أيام عمل فقط من تاريخ صدوره، مما يعكس الرقابة القضائية اللصيقة منذ اللحظة الأولى.
أسباب الحل الإجباري
نص القانون صراحة على أنه “لا حل للجمعيات الأهلية إلا بموجب حكم قضائي” ولا يُنفذ القرار قبله، حتى في أشد حالات المخالفات جسامة. أما عن حالات الحل الإجباري التي تُعرض على القضاء، فتتضمن أفعالاً جسيمة مثل: تلقي أو إرسال أموال لجهات أجنبية بالمخالفة للقانون، تبديد مجلس الإدارة لأموال التبرعات والجمعية، ارتكاب جرائم العدوان والغدر وفقاً لقانون العقوبات، إبرام اتفاقيات تعاون مع منظمات خارجية بلا موافقة مسبقة، فضلاً عن تعطيل عمل الجهة الإدارية ومنعها من فحص ومتابعة الأعمال، أو توقف الجمعية عن ممارسة أي نشاط فعلي لمدة عام كامل، أو عدم انعقاد جمعيتها العمومية لعامين متتاليين بفعل تعمد مجلس الإدارة.
محاكمات سريعة لضمان الالتزام
عندما تلجأ الجهة الإدارية لطلب حل جمعية مخالفة، تفصل المحكمة المختصة في هذه الدعاوى على وجه السرعة بناءً على طلب الإدارة، ودون الحاجة للعرض على هيئة مفوضي الدولة، استثناءً من قواعد قانون مجلس الدولة لضمان سرعة الفصل في النزاعات التنموية. إن هذه المعادلة التشريعية الدقيقة تؤكد أن القانون المصري سعى بخطى ثابتة لإيجاد التوازن المنشود؛ فهو من جهة يمنح المجتمع المدني حرية الحركة والبناء والتطوير، ومن جهة أخرى يضع خطوطاً حمراء تحمي المال العام، وتضمن التزام العمل الأهلي بمساره الوطني الخالص بعيداً عن أي انحرافات قد تضر بالصالح العام.



