جميل راتب.. أستاذ الشر الأنيق الذي حول أدوار “الناصح والشرير” إلى مدرسة في فن الأداء
جميل راتب أستاذ الشر الأنيق
الفنان القدير جميل راتب، الذى امتلك حضورًا مميزًا واستثنائيًا على الشاشة المصرية، مما جعله من أكثر الفنانين قدرة على تقديم الشخصيات المركبة وأدوار الشر، التي منحها طابعًا مختلفًا وبعيدًا عن الصور التقليدية للشرير على الشاشة.
امتدت مسيرته الفنية لعقود، تنقل خلالها بين السينما والمسرح والتليفزيون، وكان من الممثلين الذين شاركوا في أعمال مصرية وعربية وعالمية.
ولد جميل راتب في القاهرة عام 1926، ودرس في مدارس مصرية وفرنسية، ثم التحق بمدرسة الحقوق في فرنسا، وقبل أن يسافر لاستكمال دراسته، دفعه التمثيل إلى تغيير مساره، واتجه إلى دراسة الفن والعمل بالمسرح.
وكانت بدايته السينمائية من خلال فيلم «أنا الشرق» عام 1946، الذي شارك في بطولته عدد من النجوم، من بينهم كلود جودار، وجورج أبيض، وحسين رياض، وتوفيق الدقن، ثم سافر إلى فرنسا، حيث بدأ مرحلة جديدة من مشواره الفني وشارك في عدد من الأعمال السينمائية والمسرحية.

جميل راتب في المسرح الفرنسي
ولم يتوقف مشوار جميل راتب عند حدود الفن المصري، حيث امتدت تجربته إلى المسرح الفرنسي، وشارك مع فرقة «الكوميدي فرانسيز» في عدد من العروض المسرحية، إلى جانب ظهوره في مجموعة من الأعمال السينمائية الفرنسية والعالمية.
وكان من أبرز محطاته على الساحة العالمية مشاركته في فيلم «لورنس العرب» عام 1962، الذي جمعه بعدد من كبار نجوم السينما العالمية، من بينهم الفنان عمر الشريف.
ومع عودة جميل راتب إلى مصر في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بدأت مرحلة جديدة في مشواره الفني، بعدما رشحه المخرج صلاح أبو سيف للمشاركة في فيلم «الكداب»، لتتوالى بعدها أعماله وظهوره في عدد من الأفلام السينمائية المصرية.
«الصعود إلى الهاوية» محطة مهمة في مشواره
وشكل فيلم «الصعود إلى الهاوية» محطة مهمة في مسيرة الفنان جميل راتب الفنية، حيث قدم خلاله دورًا لافتًا كشف عن قدرته على تجسيد الشخصيات المركبة والمختلفة، وحصل عن هذا الدور على جائزة أفضل دور ثانٍ.
وعلى مدار مشواره الفني، شارك جميل راتب في عدد من الأفلام التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، من بينها «ولا عزاء للسيدات»، و«البريء»، و«البداية»، و«طيور الظلام»، و«الكيف».
حضور مميز على شاشة التليفزيون
وامتدت مسيرة جميل راتب أيضًا إلى شاشة التليفزيون، حيث شارك في عدد من المسلسلات التي حققت حضورًا مميزًا لدى الجمهور، من بينها «رحلة المليون»، و«الراية البيضاء»، و«ضمير أبلة حكمت»، و«يوميات ونيس»، و«زيزينيا»، و«مسألة مبدأ»، وصولًا إلى مسلسل «بالحجم العائلي» الذي عرض عام 2018، وكان من آخر أعماله الفنية.
وتميز راتب طوال مشواره بقدرته على التنوع في تقديم الشخصيات، خاصة الأدوار المركبة التي تحمل أبعادًا مختلفة، إلى جانب حضوره القوي على شاشتي السينما والتليفزيون، كما أضافت تجربته الفنية خارج مصر جانبًا مميزًا إلى مسيرته، وجعلته من الفنانين الذين امتدت أعمالهم إلى الساحة العربية والعالمية.
وخلال سنوات عطائه الفني، نال جميل راتب عددًا من التكريمات تقديرًا لما قدمه من أعمال ومسيرة فنية طويلة، من بينها تكريمه في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن مجمل مشواره، إلى جانب تكريمه في مهرجان قرطاج السينمائي ومهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، فضلًا عن عدد من التكريمات الأخرى التي حصل عليها خلال السنوات الأخيرة من حياته.
صعوبات واجهها في بداية مشواره
ولم تكن بداية جميل راتب مع الفن خالية من الصعوبات، حيث واجه اعتراضًا من أسرته بسبب اختياره التمثيل، وكشف في حوار نادر عن مطالبة عائلته بحذف مشاهده من أحد الأعمال، وهو ما جعله يفكر في مغادرة مصر، خشية أن تقف تلك الأزمة عائقًا أمام استكمال مشواره الفني.
وأشار جميل راتب خلال الحوار إلى أنه وافق على السفر إلى فرنسا، وهو القرار الذي رحبت به أسرته اعتقادًا منها أنه سيبتعد عن الفن، وهناك التحق بالجامعة لدراسة الاقتصاد والعلوم السياسية، بالتزامن مع دراسة التمثيل في أحد المعاهد، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته جمعت بين التحصيل الدراسي والعمل المسرحي.
وخلال فترة وجوده في فرنسا، أسس جميل راتب فرقة مسرحية برفقة عدد من زملائه، إلا أن عائدها لم يكن يكفي لتلبية احتياجاته، فعمل في مهن مختلفة لتوفير نفقاته، من بينها العمل كومبارس وشيالًا في سوق الخضار، إلى جانب العمل في بعض المطاعم ومهنة الترجمة لفترة، مؤكدًا أنه خاض تجارب عديدة خلال سنوات دراسته من أجل مواصلة طريقه في التمثيل.
ومع مرور الوقت، استطاع جميل راتب أن يثبت حضوره ويصنع لنفسه مكانة خاصة في الفن المصري، بعدما قدم العديد من الشخصيات المتنوعة التي حملت بصمته الخاصة، ليظل اسمه مرتبطًا بأدوار تركت أثرًا واضحًا في ذاكرة الجمهور.
توفي الفنان جميل راتب صباح الأربعاء 19 سبتمبر 2018، عن عمر ناهز 92 عامًا، بعد مشوار فني حافل امتد لسنوات طويلة، قدم خلاله مجموعة كبيرة من الأعمال السينمائية والتليفزيونية والمسرحية، ليظل اسمه حاضرًا في وجدان الجمهور وذاكرة الفن.



