رداً على الإدعاءات الإثيوبية حول أزمة السد الإثيوبي
بقلم د. حسين البحيري: خبير في الشئون الأفريقية
تواصل إثيوبيا حملاتها الدعائية الممنهجة ضد مصر بشأن ملف المياه، فمنذ إعلان إثيوبيا عن الانتهاء من أعمال بناء السد وتشغيله، تتبنى سياسة خارجية تقوم على نشر الإدعاءات الكاذبة بشأن الموقفين المصري والسوداني في أزمة السد الإثيوبي، ومؤخراً طالعنا وزير المياه والطاقة الإثيوبي “هبتامو إيتفا” بتصريحات جديدة، بل بإدعاءات جديدة، ادعى فيها أن الخلافات حول إدارة مياه النيل لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن الانتقادات والاتهامات التي توجهها مصر بشأن السد الإثيوبي تعكس استمرار التباين في وجهات النظر بين دول حوض النيل، كما ادعى أنه رغم امتلاك بلاده موارد مائية تقدر بنحو 122 مليار متر مكعب، وأن أحواض بارو وأكوبو وأباي (النيل الأزرق) وتكزي تمثل نسبة كبيرة من هذه الموارد، إلا أنها – أي إثيوبيا – لم تستفد منها تاريخياً بشكل كامل، ولم تستطع التوظيف الأمثل لكل إمكاناتها المائية، في حين اعتمدت دول المصب على مياه النيل في تنفيذ مشاريعها التنموية، كما تدعي الحكومة الإثيوبية أن السد لا يلحق الضرر بدولتي المصب (مصر – السودان) مدعيةً أن الجهات الفنية الإثيوبية قدمت ردوداً تستند إلى البيانات والتقييمات العلمية على بعض التقارير التي أثارت مخاوف بشأن الجوانب الفنية للمشروع.
وبالنظر إلى هذه التصريحات، فإنها تعكس الموقف الرسمي للحكومة الإثيوبية تجاه أزمة السد، حيث تواصل الحكومة الإثيوبية حملاتها الدعائية على الصعيدين الداخلي والخارجي، في محاولة منها للتغطية على دورها الرئيسي في إفشال المفاوضات الثلاثية حول السد مع كل من مصر وإثيوبيا، حيث كانت آخر جولة لهذه المفاوضات في عام 2023، وبعدها أعلنت مصر توقف المحادثات بسبب استمرار الخلافات مع الجانب الإثيوبي، حيث تبنت سياسة المماطلة لكسب المزيد من الوقت حتى انتهت من بناء السد، وقامت بفرضه كأمر واقع على كافة دول حوض النيل، مدعية أنه مشروع قومي تمتد فوائده لكل الدول الأفريقية وليس للشعب الإثيوبي فقط.
غير أن هذه التصريحات تتناقض مع الواقع العملي الذي يشير إلى تداعيات السد الإثيوبي على الحقوق المائية للسودان ومصر، وما تسبب فيه السد من فيضانات في السودان، وفي العام الجاري تعرضت أحد روافد النهر بالسودان إلى انخفاضات حادة في منسوب المياه، الأمر الذي يؤكد على دور السد في إلحاق الضرر بالأمن القومي المائي لدولتي المصب، هذا بالإضافة إلى التعنت الإثيوبي الواضح والصريح بشأن الاستجابة للمطالب المصرية بالتوصل لاتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المائية لمصر في مراحل الجفاف والجفاف الشديد، وللتغطية على ذلك تواصل الحكومة الإثيوبية توجيه الاتهامات لمصر عبر تبني حملة دعائية سياسية وإعلامية ممنهجة، في محاولة لتبرير ما تتخذه من سياسات ومواقف أحادية الجانب دون التنسيق مع كل من مصر والسودان، بالإضافة إلى التسويق الإثيوبي لاتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل أو اتفاقية “عنتيبي” والادعاء بأنها تقوم على مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، بينما تتمسك مصر باتفاقيات تاريخية تعود إلى فترات سابقة.
وفي المقابل، تتبنى مصر تحت القيادة السياسية الحكيمة للرئيس “السيسي” سياسة خارجية واضحة ومحددة في أزمة السد الإثيوبي، حيث تصر مصر على ضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المائية لمصر، والمطالبة بالإدارة المشتركة للسد مع الجانب الإثيوبي وبمشاركة الجانب السوداني أيضاً، حيث تمتلك مصر خبرات فنية كبيرة في مجال بناء السدود وتشغيلها وإدارتها، كما تواصل مصر التأكيد على حق الدول الأفريقية في تحقيق التنمية الاقتصادية من أجل تحسين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للدول الأفريقية بصفة عامة، بما فيها إثيوبيا، ولكن بشرط ألا تتسبب مشروعات التنمية التي تقوم بها هذه الدول بإلحاق الضرر بغيرها من الدول، كما تفعل إثيوبيا، وما يؤكد على طبيعة الموقف المصري المؤيد لحق الدول الأفريقية في تحقيق التنمية الاقتصادية بما فيها دول حوض النيل، هو مشروع سد “جوليوس نيريري” في تنزانيا، حيث ساهمت مصر بخبراتها الفنية والعملية الهائلة في مساعدة الحكومة التنزانية على إقامة هذا السد وتشغيله، وكان للشركات المصرية المتخصصة في بناء السود دور كبير ومحوري في إتمام هذا المشروع العملاق، لتقدم مصر نفسها كشريك استراتيجي قادر على مساعدة الدول الأفريقية على تحقيق التنمية المستدامة وفقاً لأجندة الاتحاد الأفريقي لعام 2063.
وختاماً، فإننا على يقين كامل بقدرة القيادة السياسية المصرية على التعامل مع الجانب الإثيوبي للحفاظ على الأمن المائي لمصر، فكما قال سيادة الرئيس أن المياه بالنسبة للشعب المصري هي قضية وجودية ومسألة حياة أو موت، وأن الأمن المائي المصري هو خط أحمر لا يمكن القرب منه سواء من جانب إثيوبيا أو غيرها.




