عمدة الدراما المصرية الذي لم يغادر قلوبنا.. رحلة صلاح السعدني من حكارفريش القرينين إلى عرش القلوب
حين يذكر اسم الفنان الكبير صلاح السعدني، لا يتوارد إلى الذهن مجرد مخرج لاسم ممثل بارع أدى أدواراً ومرت، بل يتبادر فوراً ذلك الدفء المصري الأصيل، وتلك الملامح التي تشبه بيوتنا القديمة وناسنا الطيبين. “عمدة الفن المصري”، أو “حسن أرابيسك”، أو “سليمان غانم”.. سمّه ما شئت من الشخصيات التي حفرت في وجداننا، فالمحصلة واحدة: فنان استطاع بصدقه المطلق أن يتربع على عرش القلوب بلا منازع.
من بساطة الريف إلى أروقة جامعة القاهرة
بدأت الحكاية من حيث تنبت القصص الحقيقية، في محافظة المنوفية (تحديداً كفر القرينين) وُلد الفتى الصلاحي حاملاً معه شغفاً هادئاً بالثقافة والفن، متأثراً ببيئة أدبية وعائلية أنجبت عقولاً فذة على رأسهم شقيقه الكاتب الساخر الراحل محمود السعدني.
على خشبة مسرح كلية الزراعة جامعة القاهرة، وبصحبة رفيق الدرب وصديق الطفولة “الزعيم” عادل إمام، خطى السعدني خطواته الأولى نحو النور. لم تكن البدايات مفروشة بالورود، بل تخللتها محطات من الترقب والاجتهاد الصامت، حتى انطلق بقوة في أوائل الستينات ليثبت أن الموهبة الحقيقية حين تقترن بالثقافة والوعي، لابد أن تترك بصمة لا تُمحى.
فنان كل الطبقات.. مرآة الشارع المصري
سر إعجاز صلاح السعدني لم يكن في تقمصه للشخصية فحسب، بل في قدرته العجيبة على أن يكون “مرآة” حقيقية للشارع المصري بكل تناقضاته؛ بحزنه، وسخريته المبطنة، وغضبه المكتوم، وشهامته التي لا تتبدل.

من منا يستطيع أن ينسى “سليمان غانم” عمدة بيومي في ليالي الحلمية، وكيف تحول الصراع السياسي والاجتماعي بينه وبين سليمان غانم إلى ملحمة درامية تعكس تاريخ مصر الحديث؟ أو “حسن” في أربيسك، ذلك الصانع الفنان الذي يصارع من أجل الحفاظ على الهوية والاصالة في زمن التغيرات السريعة؟ لقد كان السعدني يختار أدوارها بعناية شديدة تشبه اختيار الصائغ لجوهرته، فلم يكن يوماً مهتماً بالتواجد لمجرد التواجد، بل بالرسالة التي تترك أثراً في وجدان المشاهد.
إرث فني يتجاوز الشاشات
لم تقتصر عبقرية الراحل على الشاشة الصغيرة وحدها، رغم أنها شهدت توهجه الأكبر، بل امتدت لتشمل السينما من خلال محطات خالصة النشدان للوطن والقضايا الكبرى مثل أفلام الأرض، أغنية على الممر، والرصاصة لا تزال في جيبي، فضلاً عن إبداعاته المسرحية التي ناقشت قضايا الإنسان والحرية والزيف المجتمعي مثل مسرحية الملك هو الملك.
وحين غاب عن الشاشة في سنواته الأخيرة، واختفى هادئاً كما عاش متعففاً، ظل حاضرًا في حكايات محبيه، وفي كل إعادة لعرض أعماله الخالدة التي تأبى التقادم.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
في أبريل من عام 2024، ترجل العمدة عن صهوته تاركاً فراغاً واسعاً في الشارع الفني المصري والعربي، ومخلفاً حزناً عميقاً في قلوب أسرته وزملائه وجمهور عريض اعتبره دائمًا فرداً من العائلة.
رحل صلاح السعدني، لكنه ترك خلفه إرثاً ناطقاً بالحب والكرامة المصرية الأصيلة. ظل صوته الدافئ ونظراته المعبرة حية في وجداننا، تذكرنا دائماً بأن الفن الجميل، حين يخرج من روح صادقة، لا يموت أبداً مع مرور الأيام.








