عروس المتوسط التي لا تكسرها الشتاء.. الإسكندرية حين تتحدث بلسان الموج والحكايات
تعرفين جيداً ذلك الشعور حين تطأ قدمك محطة مصر بالإسكندرية، أو حين يباغتك الهواء العليل وأنتِ تقفين على كورنيش “المعمورة” أو “المنشية”، كأن المدينة تقترب منكِ بهدوء وتهمس في أذنك بعبارة واحدة: “أنا هنا.. لا توجد مدينة تشبهني”.
الإسكندرية ليست مجرد محافظة ساحلية نلجأ إليها هرباً من زحام القاهرة وحرها؛ هي حالة وجدانية متكاملة، رواية طويلة كُتبت صفحاتها بمياه البحر، وعاشقة قديمة لا تترك قلوب مريديها أبداً.
روح المكان.. حين يبكي الحنين على رصيف محطة الرمل
من منا لم يمشِ وحيداً يوماً على “قلعة قايتباي”، يتأمل أمواج البحر وهي تضرب الصخور وكأنها تحكي لها أسرار القرون الماضية؟ في الإسكندرية، التفاصيل البسيطة هي التي تصنع السحر. رائحة القهوة القديمة في مقاهي “الترمينوس”، صوت ترام الإسكندرية العتيق وهو يقطع الشوارع ببطء وأناقة تشبه الزمن الجميل، وبائع الذرة المشوية على كورنيش المندرة، كلها تفاصيل تجعلكِ تشعرين أن الوقت هنا يسير بإيقاع خاص، إيقاع إنساني بحت يرفض التسرع.

وحين يحل المساء، وتكتسي الشوارع بضباب خفيف مع نسمات خريفية أو شتوية، تحس الإسكندرية كأنها امرأة عتيقة تتزين بأنوار الميناء، تفتح دفاترك القديمة وتجعلكِ تقفين مع نفسك وقفة صدق.
أزقة تحكي تاريخاً يعبر الزمن
إن سر الإسكندرية الحقيقي لا يكمن فقط في بحرها الأزرق الساحر، بل في أرواح الناس الذين سكنوها وصنعوا هويتها. من “بحري” العريقة ببيوتها المتقاربة وأهلها أصحاب الشهامة والجدعنة، مروراً بعبق التاريخ في اليونانيين والايطاليين الذين تركوا أرواحهم في مقاهي الإسكندرية مثل “تريانون”، وصولاً إلى شواطئ العجمى ومحمود بك.. المدينة عبارة عن فسيفساء بشرية نادرة.
هنا، البيوت لها وجوه، والأرصفة لها ذاكرة، وكل شبر يحمل حكاية حب أو رحلة صراع أو أغنية لفيروز أو سيد درويش تنبعث من شرفة قديمة.
إسكندرية.. نبض لا ينقطع
إلى كل من يبحث عن السكينة، أو محبي التوثيق والكتابة الذين يجدون في جدران هذه المدينة ملجأً لأرواحهم؛ تظل الإسكندرية هي المكان الوحيد الذي كلما زرته، تشعرين وكأنك تكتشفينه للمرة الأولى. مدينة تعانقكِ بملء بحرها، وتمنحكِ دائماً إحساساً دافئاً بأنكِ لسْتِ غريبة، حتى وإن كنتِ تزورينها للمرة الأولى في حياتك.
إنه باختصار.. عشق لا يسقط بالتقادم.







