إبراهيم حمودة يكتب: ياسر إدريس.. من صناعة الإنجاز إلى استدامة المجد الرياضي المصري

ليست كل الإنجازات مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات البطولات، وليست كل الانتصارات لحظات عابرة تنتهي بانطفاء أضواء منصات التتويج.. فهناك إنجازات تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة، وتؤسس لواقع أكثر طموحًا، وتمنح الوطن مكانة تتجاوز حدود المنافسة إلى دوائر التأثير وصناعة القرار.
هذا هو الرهان الأكبر أمام الرياضة المصرية في مرحلتها الحالية؛ الانتقال من تحقيق الإنجاز إلى استدامته، ومن المنافسة على الميداليات إلى بناء منظومة قادرة على صناعة الأبطال، وتأهيل القيادات، وتعزيز الحضور المصري في المؤسسات الرياضية الدولية.
في قلب هذا المشهد، يبرز المهندس ياسر إدريس، رئيس اللجنة الأولمبية المصرية، الذي تتزامن فترة قيادته مع سلسلة من النجاحات الرياضية والحضور المصري المتنامي على المستويين القاري والدولي.
من تارانتو إلى داكار.. الأبطال يكتبون التاريخ
جاءت دورة ألعاب البحر المتوسط «تارانتو 2026» لتسجل واحدة من المحطات المضيئة في مسيرة الرياضة المصرية، بعدما حصدت البعثة 58 ميدالية متنوعة، بواقع 23 ذهبية و16 فضية و19 برونزية، واحتلت المركز الخامس في الترتيب العام، متصدرة المشهد العربي.
ولم تكن هذه الحصيلة مجرد تفوق رقمي، بل رسالة واضحة عن اتساع قاعدة المنافسة المصرية وتنوع مصادر التفوق، وقدرة أبطالنا على اعتلاء منصات التتويج في أكثر من لعبة.
ثم جاءت «داكار 2026» لتؤكد أن المستقبل يحمل المزيد، بعدما نجح أبطال مصر الشباب في تحويل الطموح إلى ميداليات وإنجازات، تقدمها ذهبيات السباحة والكونغ فو، في تأكيد جديد على أن الاستثمار في المواهب والناشئين هو الطريق الحقيقي لبناء أبطال المستقبل.
إن قيمة هذه النتائج لا تكمن فقط في عدد الميداليات، وإنما في قدرتها على منح الرياضة المصرية دفعة جديدة نحو الاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها أولمبياد لوس أنجلوس 2028.
ياسر إدريس.. حضور مصري في دوائر صناعة القرار
وعلى خط موازٍ، لم يتوقف الحضور المصري عند منصات التتويج، بل امتد إلى مواقع القيادة داخل المؤسسات الرياضية الدولية.
فانتخاب المهندس ياسر إدريس نائبًا لرئيس الاتحاد الدولي لألعاب الماء، إلى جانب موقعه القيادي في الاتحاد الأفريقي، يعكس اتساع مساحة التمثيل المصري في واحدة من أهم الألعاب الأولمبية، ويمنح الكوادر المصرية فرصة أكبر للمشاركة في دوائر التأثير وصناعة القرار.
وهنا تتجاوز دلالة المناصب حدود المكسب الشخصي؛ فالقيمة الحقيقية لأي تمثيل دولي تكمن في القدرة على توظيفه لخدمة الرياضة الوطنية، وتوسيع آفاق التعاون، ونقل الخبرات، وتعزيز مكانة الاتحادات المصرية، وفتح مسارات جديدة أمام الأبطال.
إن مصر التي تصنع الأبطال تستحق أيضًا أن تكون حاضرة في المواقع التي تُرسم فيها ملامح مستقبل الرياضة العالمية.
الإنجاز لا يُقاس بلحظة.. بل بما تتركه من أثر
التحدي الأكبر أمام اللجنة الأولمبية المصرية ليس الاحتفاء بما تحقق فقط، وإنما حماية هذه المكتسبات والبناء عليها.
فالاستدامة تعني اكتشاف الموهبة قبل أن تصبح بطلًا، وإعداد اللاعب وفق أسس علمية، وتطوير الأجهزة الفنية، وتوفير الرعاية الطبية والنفسية، وتحقيق التكامل بين اللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية، ووضع برامج طويلة المدى لا تتغير بتغير البطولات أو الأشخاص.
كما تعني أن تتحول الميدالية إلى بداية لمشروع جديد، وأن يصبح كل إنجاز حافزًا لتوسيع قاعدة الممارسة، واكتشاف مواهب جديدة، وإعداد جيل قادر على مواصلة مسيرة التفوق.
وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة
إدارة محترفة، وتخطيط علمي، ومحاسبة موضوعية، واستثمار حقيقي في الإنسان، وقيادات تمتلك القدرة على تحويل الفرص الدولية إلى مكاسب وطنية.
الجمهورية الجديدة.. وطن يصنع الأبطال ويعزز مكانته
تتسق هذه الطموحات مع رؤية الدولة المصرية بقيادة فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، التي تضع بناء الإنسان المصري وتمكين الشباب وتطوير البنية الرياضية وتعزيز الحضور الدولي ضمن مسارات الجمهورية الجديدة.
الرياضة أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة المصرية، وساحة لإظهار قدرات الشباب، وترسيخ الانتماء الوطني، وتقديم صورة دولة تمتلك الطموح والإرادة والقدرة على المنافسة.
ومن ثم، فإن مسؤولية المرحلة لا تقع على اللجنة الأولمبية وحدها، بل تتطلب تكامل جهود الدولة والوزارة والاتحادات والأندية في مشروع وطني متكامل يجعل الإنجاز الرياضي ثقافة مستمرة، وليس استثناءً مرتبطًا ببطولة أو جيل.
مصر أكبر من ميدالية.. وطموحها أكبر من بطولة
من ذهب تارانتو إلى تألق داكار، ومن منصات التتويج إلى مقاعد القيادة الدولية، تتعدد شواهد الحضور المصري، ويبقى الهدف الأهم هو تحويل هذا الزخم إلى إنجاز مستدام، يليق بتاريخ الرياضة المصرية وطموحات الجمهورية الجديدة.
ويظل ياسر إدريس أمام مسؤولية استثمار هذه المكتسبات، ومواصلة العمل مع مؤسسات الرياضة المصرية لترسيخ منظومة قادرة على صناعة الأبطال، وتعزيز الحضور الدولي، وفتح الطريق أمام أجيال جديدة تحمل راية الوطن.
فالإنجاز الحقيقي ليس أن تصل مصر إلى منصة التتويج مرة، بل أن تمتلك القدرة على العودة إليها في كل بطولة.. وليس أن يكون لها مقعد في قيادة الرياضة العالمية، بل أن يكون لهذا المقعد أثر في مستقبل أبطالها.
تلك هي قيمة الإنجاز.. وتلك هي فلسفة الاستدامةوتلك هي الرياضة التي تستحقها مصر في جمهوريتها الجديدة.



