مقالات وآراء

محيى دسوقى يكتب: العفو عند المقدرة.. فليس كل تراجع حكمة.. وليس كل عفو ضعفًا

ليست القوة في أن تخوض كل معركة، وليست الحكمة في أن تتراجع أمام كل مواجهة، فالحياة مواقف، والمواقف تكشف معادن الرجال، وتُظهر الفارق بين من يختار الانسحاب لأنه يدرك عواقب الصدام، ومن ينسحب لأنه لم يمتلك شجاعة المواجهة من الأساس.

إذا اقتربت الحرب، فلا عيب في أن تتراجع خطوة إلى الخلف، إذا كان تراجعك سيجنبك خسائر لا طائل منها، أو سيمنحك فرصة لإعادة ترتيب أوراقك وحساباتك. فليس كل صدام بطولة، وليس كل مواجهة تستحق أن تُبذل فيها الدماء وتُستنزف فيها الأرواح.

وقد تكون الحكمة الحقيقية في تجنب معركة لا تحقق نصرًا ولا تحفظ حقًا.

لكن حين تُفرض عليك المعركة، وتُستنفد سبل التفاهم، ويصبح التراجع تفريطًا في حق أو إهدارًا لكرامة أو استسلامًا لظلم، فهنا تختلف الحسابات.. لا تجعل الخوف قائدًا لقراراتك، ولا تسمح لمن اعتادوا اختبار صبرك أن يفسروا حلمك عجزًا، أو أن يظنوا صمتك هزيمة.

إن الثبات عند الشدائد ليس مجرد كلمات تُقال، بل موقف يحتاج إلى إرادة وإيمان وشجاعة. وقد قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ 

[الأنفال: 15]

إنها آية تضع للثبات مكانته، وتُبيّن أن للمواقف أحكامًا، وأن الفرار من المواجهة حين تجب ليس كالتراجع الحكيم قبل وقوعها. فلكل مقام مقال، ولكل موقف ميزان.

غير أن أعظم صور القوة لا تظهر في لحظة الانتصار وحدها، بل تظهر عندما تمتلك القدرة على الرد، وتملك أسباب الغلبة، ثم تختار العفو وأنت قادر على العقاب.

وهنا تتجلى عظمة المعنى في قول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ 

[الشورى: 40]

فالعفو ليس تنازلًا عن الكرامة، ولا اعترافًا بالهزيمة، بل قد يكون إعلانًا عن انتصار الإنسان على غضبه، وامتلاكه لنفسه حين تكون الفرصة متاحة للانتقام.

وقال تعالى في وصف عباده الصالحين:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ 

[آل عمران: 134]

ولذلك فإن العفو عند المقدرة منزلة رفيعة، لا يبلغها إلا من امتلك القوة وضبط النفس معًا. أما أن يعجز المرء عن الرد ثم يسمي عجزه عفوًا، فذلك خلط بين فضيلة التسامح وواقع الضعف.

ومع ذلك، فليس كل من انسحب ضعيفًا، وليس كل من واجه قويًا، فالقوة الحقيقية أن تعرف متى تتقدم، ومتى تتراجع، ومتى تصمد، ومتى تعفو. فالشجاعة بلا حكمة تهور، والحكمة بلا كرامة استسلام، والعفو بلا قدرة قد يكون اضطرارًا لا اختيارًا.

وقد لخّص القرآن الكريم هذا الميزان في قوله تعالى:

﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ 

[الشورى: 43]

إن الحياة لا تحتاج إلى إنسان يبحث عن المعارك، بل إلى إنسان لا يخشى المواجهة حين تصبح ضرورة، ولا يتكبر عن العفو حين يصبح قادرًا عليه.

فلا تبدأ حربًا لا ضرورة لها، ولا تهرب من معركة تفرضها عليك كرامتك وحقوقك، ولا تجعل الانتصار بابًا للانتقام؛ فالقوي حقًا ليس من يستطيع أن يهزم خصمه فحسب، بل من يستطيع أن ينتصر على نفسه أيضًا.

فالعفو عند المقدرة شيمة الأقوياء، والثبات عند الحق شجاعة الشرفاء، أما الحكمة الحقيقية فهي أن تجمع بين قوة الموقف ونبل الأخلاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى