مقالات وآراء

عصام عطية المحامي يكتب: زلزال قضائي في مصر بعد أن أسقطت الدستورية العليا (الإحالة الجبرية ) واستغاثة بسرعة التدخل التشريعي لمنع تعليق القضايا في المحاكم إلى أجل غير مسمى

تنازع الاختصاص الولائي فى الأبعاد الدستورية

تشهد الساحة القضائية المصرية تحولاً جذرياً في فلسفة الإجراءات والمرافعات، إثر صدور حكم المحكمة الدستورية العليا التاريخي الذي أسقط قاعدة “الإحالة الجبرية” بين جهات القضاء المختلفة، وهو المبدأ الذي سارعت محكمة النقض لإعماله في أحكامها الحديثة. هذا التحول لا يمس فقط شكل التقاضي، بل يمتد لجوهر العدالة وتوزيع الاختصاصات الدستورية.

عصام عطية
عصام عطية

أولاً: تفنيد حكم المحكمة الدستورية العليا (القضية رقم ٢ لسنة ٤٥ ق “دستورية”)

بتاريخ الأول من يونيو ٢٠٢٥، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكماً يقضي بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (١١٠) من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم ١٣ لسنة ١٩٦٨، وذلك في مجال إعمالها على القضاء بعدم الاختصاص المتعلق بالولاية. وقد حددت المحكمة اليوم التالي لنشر الحكم تاريخاً لإعمال آثاره، صوناً لاستقرار المراكز القانونية.

الأساس الدستوري للحكم: استندت المحكمة إلى أن المشرع الدستوري قد وزع الولاية القضائية بين جهات محددة (القضاء العادي، مجلس الدولة، القضاء العسكري)، وحدد نصيب كل جهة منها بما يحول دون تنازعها أو إقحام إحداها في مهام الأخرى. وبالتالي، فإن كل جهة قضاء مستقلة وظيفياً، ولا يجوز تسليط قضاء جهة على أخرى.

العوار الدستوري في النص المقضي ببطلانه: كانت الفقرة الأخيرة من المادة ١١٠ تلزم المحكمة المحال إليها الدعوى بنظرها، حتى وإن تبين لها أنها غير مختصة ولائياً بنظرها. وقد فندت المحكمة الدستورية هذا العوار باعتباره إهداراً لحق التقاضي أمام القاضي الطبيعي. كما يمثل تدخلاً في شئون الوظيفة القضائية وتسليطاً لجهة قضاء على أخرى. فضلاً عن افتئاته على اختصاص المحكمة الدستورية؛ إذ يجعل من قرار محكمة الإحالة الأولى قضاءً فاصلاً في تنازع الاختصاص، وهو دور محجوز حصرياً للمحكمة الدستورية العليا وفقاً للدستور.

ثانياً: تفنيد تطبيق محكمة النقض (الطعن رقم ١٧٢٧٤ لسنة ٩٤ ق)

لم يقتصر الأمر على إرساء المبدأ الدستوري، بل سارعت محكمة النقض لتطبيقه بحسم في حكمها الصادر بجلسة ٣ يونيو ٢٠٢٦، في نزاع يتعلق بتقنين وضع اليد على أراضي الدولة.

وقائع النزاع وتكييفها القانوني: تتلخص الوقائع في نزاع حول تقدير ثمن متر الأرض وإلغاء جهة الإدارة لطلب تقنين وضع اليد لعدم سداد النسبة المقررة. كانت محكمة القضاء الإداري قد تخلت عن نظر الدعوى لعدم اختصاصها وأحالتها للقضاء العادي، الذي مضى في نظرها وأصدر حكماً برفض الدعوى. فندت محكمة النقض طبيعة النزاع، مؤكدة أن التعاقد على تقنين وضع اليد هو عملية مركبة، والقرارات السابقة على العقد هي قرارات إدارية منفصلة تستهدف مصلحة عامة، وينعقد الاختصاص بنظر المنازعات المتعلقة بها لجهة القضاء الإداري حصراً.

آلية إعمال الحكم الدستوري: أثارت النيابة الدفع بعدم الاختصاص الولائي، وتصدت له محكمة النقض من تلقاء نفسها لتعلقه بالنظام العام. وأوردت صراحةً أنه بصدور حكم المحكمة الدستورية، انفتح الباب للمحاكم المحال إليها الدعاوى أن تعيد النظر في اختصاصها الولائي دون الالتزام بقرار الإحالة. ويحق للمحكمة المحال إليها أن تقضي بعدم اختصاصها، أو أن تُمسك عن الإحالة لتفتح المجال للجوء للمحكمة الدستورية لحل التنازع السلبي.

ثالثاً: الإشكالية العملية والحلول التشريعية المقترحة

رغم رصانة الحكم الدستوري، إلا أنه خلق إشكالية إجرائية تُعرف بـ “الدوران القضائي العقيم”. ففي ظل بقاء صدر المادة (١١٠) الذي يبيح الإحالة، قد نشهد ظاهرة إحالة القاضي المدني الدعوى للقضاء الإداري، ليقوم الأخير بإعادتها مجدداً للقضاء المدني، مما يهدر وقت المتقاضين.

لحماية المتقاضين من حلقة الإحالات المفرغة، يبرز مقترح تشريعي جوهري لتعديل المادة (١١٠) من قانون المرافعات لتعمل على مسارين:

1. المسار الداخلي: جواز الإحالة من محكمة إلى أخرى متى كانت كلتاهما تتبعان ذات الجهة القضائية الواحدة متى تبين لها عدم الاختصاص.

2. مسار التنازع الولائي (الخارجي): حظر الإحالة بين جهات القضاء المختلفة متى نشأ تنازع اختصاص ولائي. وفي هذه الحالة، يجب على المحكمة وقف الدعوى، وتكليف الخصوم برفع دعوى تنازع اختصاص أمام المحكمة الدستورية العليا لتفصل هي فيه ، على أن يتم تحديد سقف زمنى للمدة التى تستغرقها المحكمة الدستورية فى نظر هذا النزاع ، والقول بغير ذلك قد يفتح الباب لاستطالة أمد النزاع ربما لسنوات لمجرد تحديد الجهة القضائية المختصة بالفصل فى الدعوى فقط ، وذلك دون احتساب المدة التى سيتم فيها الفصل فى موضوع الدعوى .

رابعاً: النص الكامل للمادة (١١٠) من قانون المرافعات والآثار القانونية للحكم

ينص قانون المرافعات المدنية والتجارية في المادة (١١٠) على الآتي:

“على المحكمة إذا قضت بعدم اختصاصها أن تأمر بإحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة، ولو كان عدم الاختصاص متعلقا بالولاية، ويجوز لها عندئذ أن تحكم بغرامة لا تجاوز أربعمائة جنيه. وتلتزم المحكمة المحال إليها الدعوى بنظرها”.

الآثار القانونية المترتبة على ذلك:

بطلان الإحالة الجبرية ولائياً: قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة (“وتلتزم المحكمة المحال إليها الدعوى بنظرها”) في مجال القضاء بعدم الاختصاص المتعلق بالولاية.

تحرر المحكمة المحال إليها من قيد الإحالة: لم تعد المحاكم التي تُحال إليها الدعاوى بسبب الولاية القضائية ملزمة بنظرها، ووجب عليها القضاء بعدم اختصاصها إن تأكدت من خروج النزاع عن ولايتها.

آلية التعامل مع تنازع الاختصاص: يحق للمحكمة المحال إليها أن تُمسك تماماً عن الإحالة بعد تسلبها من الاختصاص، مما يتيح رفع الأمر للمحكمة الدستورية العليا لتعيين جهة القضاء المختصة لفض التنازع.

ترسيخ الاستقلال القضائي: يضمن الحكم عدم فرض قاضٍ غير مختص دستورياً لنظر النزاع، ويحمي استقلال كل جهة قضائية بوظيفتها وتشريعاتها.

إن التناغم بين قضاء المحكمة الدستورية ومحكمة النقض يعكس نضجاً قانونياً رفيعاً يحمي استقلال القضاء. ومع ذلك، تبقى الإرادة التشريعية هي الفيصل لتبني التعديلات الإجرائية اللازمة، لترجمة هذه المبادئ الدستورية العظيمة إلى إجراءات تقاضٍ ناجزة ومستقرة، تقي حقوق المتقاضين من إهدارها في أروقة التنازع الولائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى